هل تتجه القاهرة لصفقة بـ4 مليارات دولار لاقتناء مقاتلات J-10CE وJ-35؟

شهدت سماء أهرامات الجيزة في عام 2024 عرضًا جويًا تاريخيًا غير مألوف، عندما حلّقت سبع مقاتلات صينية من طراز J-10 ترافقها طائرة النقل الإستراتيجي Y-20 في استعراض لفت أنظار المتابعين حول العالم. لم يكن ذلك العرض مجرد مشاركة في معرض جوي، بل حمل رسائل سياسية وعسكرية واضحة، إذ عكس الطموح الصيني لتوسيع حضورها في سوق السلاح بالشرق الأوسط، ورسّخ في الوقت نفسه مسارًا جديدًا في العلاقات الدفاعية بين القاهرة وبكين.

وبعد أسابيع من هذا الظهور، تداولت مصادر متخصصة معلومات عن إبرام مصر صفقة تسليح مع الصين تُقدَّر قيمتها بنحو أربعة مليارات دولار، تتضمن اقتناء 48 مقاتلة من النسخة التصديرية J-10CE، لتصبح القاهرة ثاني دولة أجنبية تشغّل هذا الطراز بعد باكستان، بمتوسط تكلفة يقارب 89 مليون دولار للطائرة الواحدة.

أثار الحديث عن الصفقة اهتمامًا واسعًا في الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا، خاصة أن مصر كانت تسعى منذ سنوات للحصول على المقاتلة الأمريكية الشبح F-35

فمنذ الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تقدمت القاهرة بطلب رسمي للحصول على المقاتلة، وكان ترامب من أبرز المؤيدين لإتمام الصفقة التي كانت ستشمل نحو 20 طائرة بقيمة تقارب ملياري دولار. غير أن المشروع اصطدم بمعارضة داخل وزارة الدفاع الأمريكية، التي بررت رفضها بمخاوف تتعلق بتنوع مصادر التسليح المصرية، إضافة إلى اعتراض إسرائيلي استند إلى مبدأ الحفاظ على “التفوق العسكري النوعي” في المنطقة.

وفي محاولة لاحتواء الموقف، اقترحت واشنطن على القاهرة شراء النسخة المطورة F-16V، إلا أن مصر لم تُبدِ اهتمامًا بالعرض، معتبرة أن تطوير مقاتلة من الجيل الرابع لا يلبي احتياجاتها المستقبلية ولا يوفر القدرات التي تمنحها طائرات الجيل الخامس.

جاء هذا التحول في وقت تواجه فيه مصر تحديات أمنية متزايدة على أكثر من جبهة. فغربًا لا تزال ليبيا تعاني من عدم الاستقرار، بينما يستمر الخلاف مع إثيوبيا بشأن سد النهضة ومياه النيل جنوبًا، إضافة إلى التوترات المتواصلة شرقًا في قطاع غزة ومحيطه، فضلاً عن المشهد الأمني المتقلب في الشرق الأوسط.

وفي المقابل، يعتمد سلاح الجو المصري بصورة رئيسية على أسطول كبير من مقاتلات F-16 الأمريكية، إلى جانب مقاتلات MiG-29 الروسية وMirage 2000 الفرنسية. ورغم عمليات التحديث المتتالية، فإن هذه الطائرات لم تعد توفر مستوى التفوق المطلوب في عصر المقاتلات الشبحية وأنظمة القتال الحديثة.

ومع دخول مقاتلات الجيل الخامس إلى الخدمة، مثل F-35 وF-22 الأمريكيتين، وJ-20 الصينية، وSu-57 الروسية، أصبحت الفجوة التكنولوجية أكثر وضوحًا، خصوصًا أن مقاتلات F-16 المصرية حصلت تاريخيًا على تجهيزات وتسليح أقل تطورًا مقارنة بالنسخ العاملة لدى دول أخرى، نتيجة القيود الأمريكية المفروضة على بعض الأسلحة المتقدمة، وفي مقدمتها الصواريخ بعيدة المدى خارج مدى الرؤية.

خلال معرض الطيران الذي استضافته القاهرة في سبتمبر 2024، دفعت الصين بوفد عسكري كبير، اصطحب أحدث معداتها الجوية، وفي مقدمتها طائرة النقل الإستراتيجي Y-20 وسبع مقاتلات J-10.

ولم يقتصر الحضور على عرض الطائرات داخل المعرض، بل قدم الطيارون الصينيون عروضًا جوية فوق أهرامات الجيزة حظيت بانتشار واسع على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، في خطوة اعتبرها كثيرون حملة ترويجية ناجحة للصناعة  العسكرية الصينية، تزامنت مع بدء مباحثات أكثر جدية بين القاهرة وبكين حول التعاون الدفاعي.

إشارات رسمية عززت التكهنات

في أكتوبر 2024، أصدرت وزارة الدفاع المصرية الفيلم الوثائقي “نسور السماء” بمناسبة الذكرى الثالثة والتسعين لتأسيس القوات الجوية المصرية، مستعرضة مسيرة هذا السلاح منذ دخول أولى طائرات Tiger Moth الخدمة عام 1932، وصولًا إلى تطوره ليصبح من أقدم وأكبر القوات الجوية في أفريقيا والشرق الأوسط.

وسلط الفيلم الضوء على إدخال مقاتلات رافال وMiG-29 وF-16 Block 52، إلى جانب مروحيات Apache وMi-24، وطائرات النقل CASA وIl-76، والطائرات المسيّرة Wing Loong.

إلا أن أكثر ما أثار اهتمام المتابعين كان ظهور المقاتلة الصينية J-10C ضمن مشاهد الفيلم، وهو ما اعتبره مراقبون إشارة غير مباشرة إلى قرب انضمامها إلى الخدمة في القوات الجوية المصرية.

كما استعرض الفيلم أعمال تطوير القواعد الجوية، وتعزيز منظومات الصيانة والدعم الفني، وتحديث برامج إعداد الطيارين باستخدام المحاكاة والتدريب المتقدم، إضافة إلى الدور الإنساني للقوات الجوية في نقل المساعدات، ولا سيما إلى قطاع غزة.


وتقاطعت هذه المؤشرات مع تقارير تحدثت عن اتجاه مصر لاقتناء J-10C (وربما حتى النسخة الشبحية J-35) ضمن خطة تحديث أسطولها، فضلًا عن تنامي التعاون العسكري مع الصين، الذي تُوّج لاحقًا بتنفيذ مناورات “نسور الحضارة 2025” بمشاركة طيارين مصريين على متن المقاتلة الصينية.

ماذا ستقدم J-10CE للقوات الجوية المصرية؟

تمثل J-10CE جيلاً متقدمًا من مقاتلات الجيل الرابع والنصف، إذ تعتمد على رادار AESA يعمل بتقنية نيتريد الغاليوم (GaN)، ما يمنحها مدى كشف أكبر، ومقاومة أعلى للتشويش، وكفاءة تشغيلية أفضل مقارنة بالرادارات التقليدية.

كما تم تزويد المقاتلة بمنظومة IRST للبحث والتتبع بالأشعة تحت الحمراء، القادرة على اكتشاف الطائرات، بما فيها بعض الأهداف الشبحية، دون الحاجة إلى تشغيل الرادار، الأمر الذي يقلل من احتمالات كشف موقعها.

وتضم الطائرة أيضًا منظومة متقدمة للحرب الإلكترونية، وشاشة عرض أمامية واسعة، وخوذة ذكية تسمح للطيار بالتحكم في التسليح بمجرد توجيه النظر نحو الهدف، ما يعزز الوعي الميداني وسرعة الاستجابة أثناء القتال.

أما من ناحية التسليح، فتبرز المقاتلة بقدرتها على حمل الصاروخ بعيد المدى PL-15، الذي يتجاوز مداه 200 كيلومتر ويُعد من أبرز الصواريخ الصينية الحديثة، إضافة إلى الصاروخ قصير المدى PL-10 عالي المناورة والمزود بتقنية توجيه عبر خوذة الطيار.

وبالمقارنة مع مقاتلات F-16 المصرية، التي تعتمد على أجيال أقدم من صواريخ AIM-7 وAIM-9، تمثل J-10CE قفزة كبيرة في مجال القتال الجوي، ليس فقط بسبب الطائرة نفسها، وإنما أيضًا بسبب منظومة التسليح المتقدمة التي ترافقها، والتي لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لتوفيرها للقاهرة.

فضاء ودفاع جوي


تداعيات تتجاوز حدود الصفقة


أثارت هذه التطورات نقاشًا داخل الأوساط الأمريكية، حيث رأى عدد من المحللين أن استمرار رفض بيع F-35 لمصر منح الصين فرصة استراتيجية لتعزيز نفوذها في واحدة من أهم أسواق السلاح في الشرق الأوسط، وربما دفع أحد أبرز الحلفاء التقليديين لواشنطن نحو شراكة دفاعية أعمق مع بكين.

وزادت هذه المخاوف مع تقارير إعلامية تحدثت عن اهتمام مصري مستقبلي بالمقاتلة الشبح الصينية J-35، وهي طائرة من الجيل الخامس مخصصة للتصدير، قد تمنح القاهرة، إذا تعاقدت عليها، قدرات جوية أكثر تقدمًا خلال السنوات المقبلة.

وفي الوقت نفسه، تعكس التجربة المصرية تحديًا واجهته دول أخرى، من بينها الإمارات، التي اصطدمت بدورها بشروط سياسية وأمنية معقدة خلال مساعيها للحصول على F-35، بينما تواصل الصين تقديم نفسها باعتبارها موردًا يوفر منظومات قتالية متطورة دون فرض قيود على نوعية التسليح أو استخدامه.

وتكشف صفقة J-10CE، إن تأكدت بصورة نهائية، عن تغيرات أوسع في خريطة الصناعات الدفاعية العالمية. فالصين التي كانت قبل سنوات تركز على تصدير أسلحة منخفضة الكلفة، أصبحت اليوم منافسًا مباشرًا في مجالات المقاتلات الحديثة، والدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة، والسفن الحربية.


وفي هذا السياق، لا تبدو الصفقة مجرد عقد لشراء مقاتلات جديدة، بل تعكس تحولًا استراتيجيًا في خيارات الدول التي تبحث عن تحديث قواتها المسلحة بعيدًا عن القيود السياسية التي لطالما رافقت صفقات التسليح الغربية، وهو ما يمنح بكين فرصة متزايدة لترسيخ مكانتها لاعبًا رئيسيًا في سوق السلاح العالمي.
 

.وفي هذا السياق، لا تبدو الصفقة مجرد عقد لشراء مقاتلات جديدة، بل تعكس تحولًا استراتيجيًا في خيارات الدول التي تبحث عن تحديث قواتها المسلحة بعيدًا عن القيود السياسية التي لطالما رافقت صفقات التسليح الغربية، وهو ما يمنح بكين فرصة متزايدة لترسيخ مكانتها لاعبًا رئيسيًا في سوق السلاح العالمي.