من تصنيف الشركات إلى التعيينات .. أسئلة مشروعة تستدعي التحقيق في منظومة الأشغال

صدى الحقيقة : خاص

تثير وقائع وردت في تقرير للجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة بشأن مشروع طريق جولة سوزوكي – جولة الرحاب جملة من التساؤلات حول إجراءات تأهيل وتصنيف الشركات، ومدى التزام الجهات المختصة بالمعايير القانونية والفنية عند منح التصنيفات وإسناد المشاريع.

وبحسب ما أورده التقرير، فإن شركة الفيصل للأعمال التجارية، الفائزة بالمقطع الأول من المشروع، كانت تحمل شهادة تسجيل وتصنيف من الدرجة الثانية، إلا أن التقرير خلص إلى عدم استجابتها لمتطلبات وشروط المناقصة، وعدم ثبوت أهليتها وكفاءتها لتنفيذ أعمال المشروع.

كما أشار التقرير إلى أن رخصة مزاولة المهنة المرفقة بعطاء الشركة تتعلق بأنشطة خدمات الأمن والسلامة وحلول الطاقة، وليس مقاولات الطرق، فضلاً عن عدم تقديم ما يثبت تنفيذها مشاريع مماثلة في مجال الطرق خلال السنوات الثلاث السابقة، فيما تضمنت شهادات الخبرة المقدمة لها أعمالاً في الطاقة الشمسية وبناء وترميم المدارس.

وتزداد التساؤلات مع ما أورده التقرير بشأن نتائج التنفيذ، من بينها ملاحظات على أعمال الأسفلت والمواد المستخدمة وظهور حفر وأخاديد، إضافة إلى إخفاقات متكررة في أعمال المعالجة السطحية.

وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف حصلت شركة بهذه المواصفات على تصنيف مكّنها من دخول مناقصات لتنفيذ مشاريع طرق؟

هل الخلل في الشركة أم في منظومة التصنيف؟

تتداول أوساط في قطاع الأشغال معلومات وادعاءات تتحدث عن وجود تلاعب محتمل في عمليات تصنيف الشركات، وعن تحصيل مبالغ مالية مقابل منح تصنيفات لشركات قد لا تستوفي الشروط.

وهذه الادعاءات لا يمكن اعتبارها حقائق ثابتة أو اتهامات مكتملة قبل إجراء تحقيق رسمي، لكنها تستحق الفحص والتحقق، خصوصاً عندما تتقاطع مع وقائع وملاحظات وردت في تقرير رقابي رسمي.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس توجيه الاتهام إلى أشخاص بعينهم، وإنما فتح ملف التصنيف ومراجعته بصورة مهنية وقانونية، بما في ذلك:

من تقدم بطلب تصنيف الشركة؟

من قام بفحص ملفها؟

من اعتمد شهادات الخبرة؟

من منحها الدرجة الثانية؟

هل كان نشاطها القانوني يؤهلها لتنفيذ مشاريع الطرق؟

هل جرت معاينة فعلية لمعداتها وإمكاناتها الفنية؟

وما مسؤولية الجهات التي اعتمدت تأهيل شركة ثم سمحت لها بالمنافسة على مشروع لم تكن مؤهلة لتنفيذه؟

أسئلة حول التغييرات في الشؤون القانونية

ولا تتوقف التساؤلات عند ملف تصنيف الشركات، إذ تبرز كذلك أسئلة بشأن التغييرات التي شهدتها الإدارة القانونية في صندوق صيانة الطرق، عقب انتقال حسين العقربي إلى رئاسة الصندوق، وما رافق ذلك من تكليف عدنان بامطرف بتولي الشؤون القانونية وإبعاد المدير السابق.

وهنا تبرز الحاجة إلى توضيح الأسباب والمعايير التي استندت إليها تلك القرارات، وما إذا كان التغيير جاء بناء على احتياج إداري وقانوني واضح، أم وفق ترتيبات أخرى.
كما تتداول أوساط موظفين معلومات عن علاقة مهنية بين بامطرف وعصمان، مدير مكتب وزير الأشغال في قطاع الأشغال، وعن أدوار محتملة لهما في ملف تصنيف الشركات.

وحتى لا تتحول هذه المعلومات إلى اتهامات بلا دليل، فإن الطريق الصحيح للتحقق منها واضح: مراجعة الملفات الرسمية، ومحاضر لجان التصنيف، وأسماء أعضاء اللجان، والتوقيعات والاعتمادات، وشهادات الخبرة، وتقارير المعاينة الفنية، ومقارنتها بالنتائج الفعلية للمشاريع التي نفذتها الشركات.

وماذا عن قانونية بعض التعيينات؟

كما تثار تساؤلات بشأن تعيين عصمان أخيراً في منصب مدير عام لإدارة يُقال إنها غير مدرجة ضمن الهيكل التنظيمي لصندوق صيانة الطرق.

وهنا يصبح السؤال قانونياً وإدارياً قبل أن يكون شخصياً:
هل الإدارة موجودة ضمن الهيكل التنظيمي المعتمد للصندوق؟ وما السند القانوني لإنشائها إن كانت قد استحدثت؟ ومن أصدر قرار التعيين؟ وما اختصاصات المنصب وحدوده؟
وإذا كانت الإجراءات قانونية، فمن حق الرأي العام والموظفين معرفة الأساس القانوني لها. وإذا كانت هناك مخالفات، فإن تحديد المسؤولية يجب أن يتم عبر الجهات المختصة.

رسالة إلى رئيس الوزراء

ما سبق لا يعني بالضرورة وجود علاقة بين جميع هذه الوقائع، فقد تكون ملفات منفصلة لا رابط بينها، وقد تكشف المراجعة الرسمية عكس ما يتداوله البعض.

لكن وجود تقرير رقابي يتضمن ملاحظات جوهرية بشأن تأهيل شركة وتنفيذ مشروع، بالتزامن مع تساؤلات حول التصنيف والتعيينات والإجراءات الإدارية، يجعل المراجعة والتحقيق المؤسسي أمراً مشروعاً وضرورياً.

وعليه، فإن المطلوب من الحكومة والجهات الرقابية والقانونية فتح مراجعة مستقلة وشفافة تشمل:
أولاً: ملفات تسجيل وتصنيف شركات المقاولات في قطاع الأشغال.

ثانياً: مدى توافق التصنيفات الممنوحة مع النشاط القانوني والخبرات والإمكانات الفعلية للشركات.

ثالثاً: مراجعة ملف تأهيل شركة الفيصل للأعمال التجارية، والإجراءات التي سبقت منحها التصنيف ودخولها المناقصة.

رابعاً: مراجعة قرارات تغيير مسؤولي الإدارات القانونية وتكليفات شاغليها، ومعرفة الأسس والمعايير التي استندت إليها.

خامساً: التحقق من الأساس القانوني والتنظيمي للمناصب والإدارات المستحدثة أو التي أثيرت حولها تساؤلات.

سادساً: التأكد من عدم وجود تضارب مصالح أو استغلال للعلاقات الشخصية في إجراءات التصنيف أو التعيين أو إسناد المشاريع.

فالمال العام لا تحميه البيانات، وإنما تحميه الشفافية والرقابة والمساءلة.

وإذا كانت الملفات سليمة، فإن فتحها للتحقيق سيؤكد سلامتها ويضع حداً للجدل، وإذا كشفت المراجعة عن مخالفات، فيجب أن يتحمل كل من تثبت مسؤوليته تبعات أفعاله وفق القانون.

هذه ليست إدانة لأحد، وإنما أسئلة مشروعة تفرضها وقائع وتقارير تستحق الفحص.

السؤال في النهاية ليس: من نتهم؟ بل: من يراجع؟ ومن يدقق؟ ومن يحاسب عندما يكون المال العام ومشاريع المواطنين محل مسؤولية؟