صدى الحقيقة : الأيام : فؤاد جباري
لحرب المليشيات الحوثية على الضالع خاصة وعلى كل المناطق اثار كارثية، ليست الآثار المعروفة من القتل والدماء والدمار والتشريد والنزوح التي تلقي بكاهلها على المدنيين، ولكن الآثار الحسية والمعنوية، وما اقساها على قلوب الأمهات.
هذه الأم زهراء صالح أحمد، من أهالي بلدة المشاريح حجر الضالع، أصيبت بصدمة نفسية افقدتها الحركة والنطق وباتت اشبه إلى جثة محنطة بعد أن فقدت ولدها الشهيد عائد ورأت ولدها الجريح فيصل يلازم الفراش بعد ان اصيب بشلل نصفي وختمت بفقدان ابن اختها زوج ابنتها المستقبلي الشهيد القائد مروان العشوي قائد جبهة المشاريح، وخوفها على بقية اولادها الذين يلازمون المتارس، ناهيك عن قائمة الشهداء من اهلها وجيرانها، وسط ماتعانيه البلدة من قصف مستمر لمنازل المواطنين وتساقط الضحايا بشكل متواصل.
اتت هذه الأحداث مجتمعة لتصدم قلب واحاسيس هذه الأم المسكينة بكل قوة، وتركتها صريعة على هذا الحال بين الحياة والموت لايتحرك منها سوى عينيها اللتين ما ان تتحرك تغرقان بالدمع حسرة على حالها، لم تقدر على مقاومة هذه الأحداث فانهارت واستسلمت لهذا المصير المؤلم.
التقيت اليوم في العاصمة عدن باولادها بالصدفة وهم يحملونها في سلالم احدى الفنادق ينتظرون وقت رحلة السفر لعلاجها في الخارج بعد ان طافوا بغاليتهم كل مستشفيات العاصمة عدن والضالع لعل وعسى تعود إليها عافيتها ويأنسون بحركتها وصوتها وبركات دعواتها.
سألتهم "كيف بنفقات العلاج؟" وكان سؤالاً ليس في محله انبني حقاً ضميري عليه لكنني كنت مجبراً على البوح به لاني أعرف حقيقة وضعهم المعيشي الصعب ولاقبل لهم بدفع نفقات العلاج والسفر، وكنت اضن انه ربما قد تكفلت بنفقة العلاج جهة ما، لأتفاجأ بردهم والألم والحسرة تكسي محياهم ”بعنا ما امكننا بيعه واستدنا من هنا وهناك وربك المخارج .. منظر امنا بهذا الوضع اشد وأقسى علينا من أي امر اخر وكل شي في سبيل انقاذها يهون“.
هذه قصة واحدة لأم مكلومة لم تصبها شظية مقذوف ولم تخترق جسدها رصاصة قناص، ولكنه اعصار من الألم والحزن والقهر والحرقة والفقد لم يقوَ عليه قلبها الحنون وجسدها النحيل، وهي قصة من الاف القصص للأمهات الاتي ضحين بأغلى مالديهن فلذات الأكباد، ويعشن في معاناة متلازمة وجروح غائرة وقلوب ممزقة يستوطنها صواعق من الألم والحزن والحسرة .. وسط لا مبالاة لمعاناتهن من قبل الجميع.