حين تتحول الإجراءات الإدارية إلى عقوبة دائمة... قضية محسن الصلاحي تستحق المراجعة

صدى الحقيقة : خاص

في المؤسسات المالية، وُجدت الأنظمة لحماية الحقوق، لا لتعليقها، وسُنّت اللوائح لتحقيق العدالة، لا لتحويلها إلى أدوات قد تبدو وكأنها تُستخدم لتصفية الحسابات أو إطالة أمد الخلافات الشخصية. 

وعندما تستمر الإجراءات الإدارية سنوات طويلة دون معالجة، فإنها تفقد غايتها القانونية وتتحول، في نظر الرأي العام، إلى عقوبة مفتوحة.


هذه هي الصورة التي تعكسها قضية مدير فرع البنك المركزي اليمني بمحافظة أبين السابق، الخبير الاقتصادي محسن صالح حسين الصلاحي، وهي قضية تثير تساؤلات مشروعة حول مدى توافق بعض الممارسات الإدارية مع مبادئ العدالة والإنصاف.


الصلاحي ليس اسمًا عابرًا في تاريخ العمل المصرفي، بل أحد الكفاءات التي أنجبتها محافظة أبين. فقد أمضى ما يقارب أربعة عقود في خدمة القطاع المالي والمصرفي، متنقلًا بين المسؤوليات حتى بلغ سن التقاعد، دون أن تُعرف عنه شبهة تمس نزاهته أو أمانته، بل ظل اسمه مقترنًا بالكفاءة والانضباط وحسن السيرة.


مسمار جحا... الذي لم يُنزع :

بدأت الأزمة عقب انتهاء خدمته، عندما نشأ خلاف إداري حول سيارة كانت بعهدته أثناء أداء مهامه. 

والمفارقة أن الذين نكلوا بالصلاحي كانوا ممن حظوا بدعمه وترشيحه، ليصدق فيهم قول الشاعر:

أُعلِّمه الرماية كل يومٍ    فلما اشتد ساعده رماني.

طالب الصلاحي بحل القضية وفق الإجراءات المتبعة، من خلال تقييم السيارة وسداد قيمتها، أسوة بما جرى في حالات مشابهة. 

لكن الملف ظل عالقًا، حتى أصبح أشبه بـ"مسمار جحا" الذي لا يُراد له أن يُنزع، وتحول الخلاف الإداري إلى سبب لوقف مستحقاته المالية وحرمانه من راتبه التقاعدي طوال سنوات عديدة .


وهنا يبرز سؤال لا يزال بلا إجابة مقنعة : إذا كان الهدف هو استعادة حق البنك في السيارة أو قيمتها، فلماذا لم تُخصم قيمتها مباشرة من مستحقات الرجل أو من رصيده المالي، سواء دفعة واحدة أو على أقساط، ثم يُصرف له ما تبقى ويُعاد راتبه التقاعدي؟


هذا السؤال وحده يفتح الباب أمام كثير من علامات الاستفهام، ويمنح الانطباع بأن القضية تجاوزت إطارها الإداري، وأن استمرارها لم يعد مرتبطًا بالسيارة بقدر ما أصبح مرتبطًا بالإصرار على إبقاء الملف مفتوحًا.


ولم تشفع الوعكة الصحية التي  تعرض الصلاحي مؤخرًا والتي استدعت سفره إلى الخارج لتلقي العلاج على نفقة أسرته، في وقت كان يأمل فيه أن يجد من مؤسسته السابقة ومحافظته موقفًا يوازي سنوات عطائه. 



إن قضية محسن الصلاحي لم تعد مجرد خلاف إداري، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات على تصحيح أخطائها وإنصاف كوادرها. فالعدالة لا تُقاس بشدة الإجراءات، وإنما بقدرتها على إعادة الحقوق إلى أصحابها.

ويبقى المؤلم أن تتكرر الانطباعات التي يرددها كثير من أبناء أبين، بأن المحافظة كثيرًا ما تخسر أصحاب الكفاءة والنزاهة، بينما لا يجد المخلصون دائمًا ما يستحقونه من تقدير وإنصاف.

ويبقى الأمل أن تُطوى هذه الصفحة بقرار عادل يعيد للصلاحي حقوقه كاملة، ويؤكد أن مؤسسات الدولة لا تنتصر للخلافات، بل تنتصر للقانون والعدالة، فذلك وحده ما يحفظ هيبة الدولة ويصون كرامة من خدموها بإخلاص.