المطبخ الخيري في القبيطة .. موائد رحمة على طريق العابرين

صدى الحقيقة : مرفت الربيعي

في مديرية القبيطة شمال محافظة لحج، وعلى الطريق الرابط بين لحج وتعز، تتجدد للعام الثامن على التوالي مبادرة إنسانية باتت تمثل شريان دعمٍ للمسافرين العالقين في واحد من أكثر الطرق وعورة وخطورة في البلاد.

يواصل “المطبخ الخيري المجاني” تقديم وجبات الإفطار والعشاء والسحور لمئات الصائمين الذين تدركهم ساعة الإفطار على الطريق، أو تقطعت بهم السبل في المنعطفات الجبلية الوعرة.

الطريق الممتد لأكثر من 30 كيلومتراً، وهو مسار فرعي مستحدث، يمر بمناطق نائية تفتقر إلى أبسط الخدمات، فلا مطاعم ولا استراحات ولا نقاط لشراء الاحتياجات الأساسية.

ومنذ عام 2015، ومع إغلاق الطرق الرئيسية الرابطة بين المحافظات الشمالية الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي والمحافظات الجنوبية التي تديرها الحكومة اليمنية، أصبح طريق القبيطة منفذاً بديلاً، رغم خطورته الشديدة وكثرة حوادثه.

في هذا السياق، أوضح المدير التنفيذي للمبادرة علي المنتصر القباطي أن فكرة إنشاء المطبخ جاءت بمبادرة ذاتية من شباب القبيطة، وبدعم من رجال الخير، وفي مقدمتهم رجل الأعمال عبدالحكيم ردمان القباطي، مؤكداً أن المشروع تطور تدريجياً من توزيع وجبات خفيفة وبسيطة في عاميه الأولين، إلى إنشاء مطعم مجاني متكامل يقدم وجبات يومية تصل إلى أكثر من 350 وجبة يومياً طوال شهر رمضان.

وأضاف القباطي أن المبادرة تستهدف المسافرين وسائقي شاحنات نقل البضائع التجارية، سواء القادمة من مدينة عدن إلى المحافظات الشمالية، أو الداخلة إلى المحافظات الجنوبية، مشيراً إلى أن المشروع يعمل منذ اليوم الأول من رمضان وحتى نهايته دون توقف.

ومع تصاعد الأزمة الاقتصادية، يجد المسافرون أنفسهم في مواجهة تحديات مضاعفة، خاصة مع اضطرارهم للمرور في طرق جبلية ضيقة وأودية تتدفق فيها سيول الأمطار، ما يعرض حياتهم وممتلكاتهم للخطر، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى توقف حركة السير لساعات أو حتى أيام.

وأكد القباطي أن استمرارية المشروع تعتمد بشكل أساسي على الدعم المجتمعي، سواء من رجال الخير أو من الأهالي الذين يمدون المطبخ بالمؤن الغذائية والمساهمات النقدية، قائلاً: “نعمل بجهود تطوعية خالصة، وبدعم أهل الخير الذين يدركون أهمية هذه المبادرة في ظل الظروف القاسية التي يواجهها المسافرون”.

ويوضح القباطي أن بعض الشاحنات كثيراً ما تتعطل في منطقة “عقبة الجن”، إحدى أخطر المنعطفات على الطريق، الأمر الذي يتسبب في ازدحام خانق ويشلّ حركة النقل الجماعي، ليجد المسافرون أنفسهم، وبينهم نساء وأطفال وكبار في السن، عالقين لساعات طويلة دون غذاء أو ماء كافٍ.

وأمام هذه الظروف القاسية، عملت المبادرة على توسيع نطاق تدخلها عبر إنشاء شبكة تواصل ميدانية تُمكنها من الوصول إلى الشاحنات والمركبات المتعطلة، خاصة في المواقع الأكثر خطورة.

كما عززت حضورها لتلبية الاحتياجات المتزايدة، وضمان إيصال الوجبات إلى أكبر عدد ممكن من الصائمين، إلى جانب إقامة موائد إفطار في عدد من المساجد الواقعة على امتداد الطريق.


وسط انهيار الخدمات الأساسية وتفاقم الأوضاع المعيشية، تبرز مبادرة “المطبخ الخيري المجاني” في القبيطة كنموذج حيّ للتكافل الاجتماعي، وسدٍّ حقيقي للفجوات التي خلّفتها الأزمات المتلاحقة.

وبينما تستمر المعاناة على الطريق، تبقى هذه الموائد الرمضانية رسالة تضامن وأمل، تؤكد أن روح الإنسانية قادرة على أن تصمد، حتى في أقسى الظروف.