كيف أصابت مسيّرة “شاهد” الإيرانية طائرة الإنذار المبكر الأميركية E-3 Sentry؟

صدى الحقيقة : وكالات

تشير المعطيات المتداولة إلى أن الطائرة التي يُعتقد أنها تعرضت للإصابة هي طائرة E-3 Sentry، وهي في الأصل مبنية على هيكل بوينغ 707. وبحسب ما تسرّب من معلومات حتى الآن، فإن الحديث يدور عن وقوع إصابة داخل قاعدة الأمير سلطان، التي قيل إنها تعرضت لهجوم بصواريخ باليستية إلى جانب هجوم أسراب من طائرات شاهد-136 المسيّرة.

ومن المعروف أن طائرة شاهد 136 لا تُعد من الوسائط الدقيقة جدًا عند استهداف أهداف ذات أبعاد محدودة نسبيًا، لكن في هذه الحالة نحن لا نتحدث عن هدف صغير بالمعنى الكامل. فطائرة الأواكس نفسها يبلغ طولها نحو 46 مترًا، بينما يصل باع جناحيها من الطرف الأيمن إلى الأيسر إلى قرابة 44 مترًا، أما ارتفاعها فيبلغ نحو 12.5 مترًا تقريبًا. ومع ذلك، فإن إصابة مثل هذه الطائرة بشكل مباشر ليست مهمة سهلة، خاصة إذا كان الهجوم بطائرة مسيّرة واحدة فقط، ولذلك فإن فرضية إصابتها نتيجة هجوم كثيف ومتعدد الوسائط تبدو أكثر ترجيحًا.

والاحتمال الأكبر، وفق هذا السيناريو، هو أن تكون الطائرة قد أُصيبت وهي متوقفة على الأرض، لا أثناء تنفيذ مهمة جوية. فهذه الطائرة لا تعمل منفردة في الأجواء، بل تتحرك عادة ضمن مظلة حماية معقدة تشمل مرافقة من المقاتلات، إلى جانب تغطية رادارية وإجراءات حرب إلكترونية، ما يجعل استهدافها في الجو أكثر صعوبة بكثير.

الضربة الإيرانية التي استهدفت طائرة الإنذار المبكر الأمريكية E-3G Sentry لا يمكن التعامل معها على أنها مجرد إصابة عابرة أو حادث ميداني محدود، بل تبدو ــ من زاوية عسكرية وتقنية ــ أكثر دقة وتعقيدًا مما قد يبدو للوهلة الأولى.

فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن نقطة الإصابة لم تكن عشوائية، بل تركزت في الجزء الخلفي العلوي من الطائرة، وتحديدًا عند القبة الرادارية الدوارة (Rotodome)، وهي من أكثر الأجزاء حساسية وأهمية في هذه المنصة الجوية. هذه القبة لا تمثل مجرد هيكل خارجي مميز لطائرة الأواكس، بل تضم تحتها قلب منظومة الإنذار والسيطرة، وعلى رأسه رادار AN/APY-2، وهو رادار نبضي دوبلري ثلاثي الأبعاد صُمم خصيصًا لهذا الطراز من الطائرات.

ويُعد هذا الرادار أحد أهم عناصر التفوق العملياتي للطائرة، إذ يمنحها القدرة على كشف وتتبع الأهداف الجوية والسطحية عبر مسافات بعيدة وفي ظروف تشغيلية ومناخية معقدة، فضلًا عن تمتعه بقدرة معتبرة على مقاومة التشويش والحرب الإلكترونية. وبمعنى آخر، فإن استهداف هذا الجزء تحديدًا لا يهدف فقط إلى إلحاق ضرر مادي بالطائرة، بل إلى شل وظيفتها الأساسية كمركز إنذار وتحكم جوي.

ولا تقتصر أهمية القبة الدوارة على الرادار وحده، إذ تحتوي أيضًا على منظومة إلكترونية معقدة تشمل أجهزة مراقبة إشارات الراديو (RF Monitor)، ووحدات توليد الترددات (Oscillator)، وأنظمة التحكم والتزامن، بالإضافة إلى وصلات دوارة مسؤولة عن نقل الطاقة الكهربائية والإشارات أثناء دوران القبة. لذلك، فإن أي إصابة مباشرة لهذا الجزء تعني عمليًا ضرب القلب الإلكتروني للطائرة، وليس فقط إتلاف أحد مكوناتها الخارجية.

ومن هنا، فإن طبيعة الإصابة نفسها تطرح فرضية شبه مؤكدة بأن عملية الاستهداف لم تكن ارتجالية، بل استندت إلى إحداثيات عالية الدقة ومعلومات استخبارية حديثة جدًا. ولهذا السبب، يبدو ترجيح استخدام طائرة مسيّرة انتحارية أحادية الاتجاه من طراز شاهد-136 أو ربما النسخة الأكثر تطورًا شاهد-238 أكثر منطقية من فرضية استخدام صاروخ باليستي.

فالسبب بسيط: الصواريخ الباليستية، رغم قوتها التدميرية، لا تُستخدم عادة لإصابة نقطة صغيرة وحساسة بهذا المستوى من الدقة، بسبب هامش الخطأ المعروف بـ CEP، في حين أن الطائرات المسيّرة الانتحارية قادرة على تنفيذ إصابة موضعية دقيقة إذا توفرت لها معلومات توجيه ومراقبة كافية.

وفي هذا السياق، فإن الحديث عن دقة الاستهداف يعيد فتح ملف الاستطلاع الفضائي والدعم الخارجي المحتمل. صحيح أن إيران تمتلك قدرات فضائية خاصة بها، وقد نشرت بالفعل في فترات سابقة صورًا مأخوذة من أقمارها الصناعية، لكن المستوى العالي من الدقة الذي ظهر في هذا النوع من الضربات يوحي بأن الأمر يتجاوز على الأرجح الإمكانات الإيرانية الذاتية فقط.

ولهذا، فإن أحد أكثر السيناريوهات ترجيحًا هو حصول طهران على دعم استخباري وتقني خارجي، سواء عبر صور أقمار صناعية حديثة جدًا أو إحداثيات محدثة بدقة عالية لمواقع تمركز طائرات AWACS الأمريكية داخل قاعدة الأمير سلطان الجوية في محافظة الخرج السعودية. وفي هذا الإطار، يبرز احتمال أن تكون هذه البيانات قد جاءت عبر قنوات روسية أو صينية، بالنظر إلى امتلاك موسكو وبكين قدرات فضائية واستطلاعية متقدمة تسمح بإنتاج هذا النوع من المعلومات الحساسة في الوقت شبه الحقيقي.

وما يؤكد ذلك هو ما كشفته صحيفة التلغراف البريطانية، نقلًا عن الاستخبارات الأوكرانية، أن روسيا زوّدت إيران بصور أقمار صناعية لقاعدة أمريكية في السعودية، وذلك قبل أيام فقط من تعرضها للاستهداف.

أما النقطة الأهم، فهي أن الولايات المتحدة لا تمتلك عددًا كبيرًا من هذه الطائرات. فبحسب المصادر المفتوحة، لدى القوات الأمريكية 16 طائرة من هذا النوع، لكن الجاهزية التشغيلية لا تتجاوز تقريبًا 55%، ما يعني أن عدد الطائرات القابلة للاستخدام الفعلي لا يتعدى ثماني طائرات تقريبًا. ومن هنا، فإن تحييد طائرة واحدة فقط من هذا الطراز لا يُعد خسارة عادية، بل يمثل تأثيرًا مباشرًا على قدرة أسطول الإنذار المبكر والسيطرة الأمريكي.

كما أن القيمة المالية لهذه الطائرة ضخمة للغاية، إذ يُقدّر أن سعرها وفق الأسعار الحالية قد يتجاوز نصف مليار دولار، لكن أهميتها الحقيقية لا تكمن في ثمنها فقط، بل في دورها العملياتي والاستراتيجي. فهذه ليست مجرد طائرة استطلاع أو رصد، بل هي مركز قيادة جوي متقدم، ومنصة تحكم وسيطرة تربط مختلف الوحدات الجوية والبرية ضمن شبكة قتالية واحدة.

وتتولى طائرة الأواكس توجيه المقاتلات، وإدارة ساحة المعركة الجوية، ومتابعة الطائرات المسيّرة والصواريخ والطائرات المعادية من مسافات تصل إلى مئات الأميال. كما أنها توفر صورة فورية ومتكاملة للمجال الجوي فوق مسرح العمليات، ثم تنقل هذه البيانات في الزمن الحقيقي عبر شبكة Link 16 إلى الطائرات المقاتلة، وغرف العمليات، والقادة الميدانيين.

ولهذا، فإن تدمير هذه الطائرة أو حتى إخراجها من الخدمة وهي على الأرض يُعد ضربة قاسية وصفعة عملياتية للقوات الأمريكية، لأنه ينعكس مباشرة على قدرة الولايات المتحدة على رؤية ما يجري في ساحة المعركة، والحفاظ على ما يُعرف بـ الوعي الظرفي أو الصورة العملياتية العامة خلال العمليات القتالية.

وتزداد خطورة هذه الخسارة إذا أخذنا في الاعتبار أن القوات الجوية الأمريكية لا تملك حاليًا طائرات أواكس بديلة جاهزة للإحلال الفوري، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن الجيل الجديد من هذه الطائرات لن يكون جاهزًا قبل عام 2028.