الغداء الأخير .. وثائق وشهادات تعيد فتح ملف اغتيال الرئيس اليمني إبراهيم الحمدي و تضع الرياض في دائرة الاتهام

صدى الحقيقة : خاص

بعد نحو نصف قرن على اغتيال الرئيس اليمني إبراهيم الحمدي، تعود واحدة من أكثر الجرائم السياسية غموضاً في تاريخ اليمن إلى الواجهة، مع ظهور وثائق وشهادات وتقارير دبلوماسية تقول إن عملية الاغتيال لم تكن مجرد صراع داخلي على السلطة، بل ارتبطت بتدخلات إقليمية واسعة.


وتكشف وثائق حصلت عليها «صفحة احترام» ـ بحسب ما تنقله الصفحة ـ تفاصيل عن التخطيط للعملية، والأطراف التي يُعتقد أنها شاركت فيها، والجهات التي تولت لاحقاً التغطية السياسية والإعلامية على ملابسات الجريمة.


وتضع الوثائق المملكة العربية السعودية في دائرة الاتهام، وتذكر دوراً منسوباً إلى الملحق العسكري السعودي في صنعاء آنذاك، إلى جانب شخصيات عسكرية وسياسية يمنية بارزة.
لكن، وبينما تتقاطع هذه الوثائق مع شهادات وروايات ظهرت خلال العقود الماضية، فإن بعضها يبقى بحاجة إلى التحقق المستقل والمقارنة مع كامل السجلات التاريخية والدبلوماسية.


الغداء الذي سبق الرحيل :


في ظهر الثلاثاء 11 أكتوبر/تشرين الأول 1977، تلقى الرئيس إبراهيم الحمدي دعوة إلى الغداء في منزل رئيس أركان الجيش آنذاك أحمد الغشمي.
لم تكن الدعوة منفصلة عن ظرف سياسي بالغ الحساسية.


فالحمدي كان يستعد للسفر إلى عدن في اليوم التالي للقاء الرئيس سالم ربيع علي، في إطار تحركات متسارعة باتجاه مشروع الوحدة اليمنية.
وكان الرجل، منذ وصوله إلى السلطة، قد اتخذ خطوات لإعادة بناء مؤسسات الدولة والحد من نفوذ مراكز القوى التقليدية، ورفع شعارات مكافحة الفساد وتعزيز استقلال القرار اليمني.


وفي المقابل، كانت علاقات صنعاء بالرياض تمر بمرحلة شديدة الحساسية، وسط اختلافات حول طبيعة الدولة اليمنية ومستقبلها واتجاهاتها الإقليمية.


وفي تلك اللحظة تحديداً، بدا مشروع التقارب بين شطري اليمن أكثر جدية من أي وقت مضى.


لماذا كان الحمدي مصدر قلق إقليمياً؟


كان مشروع إبراهيم الحمدي يتجاوز مجرد إدارة السلطة في صنعاء.


فالرجل كان يسعى إلى بناء دولة مركزية أكثر استقلالاً، وتقليص نفوذ القوى القبلية والعسكرية، وإعادة صياغة علاقة اليمن بمحيطه الإقليمي.


كما أن تقاربه مع الجنوب، وانفتاحه على الاتحاد السوفياتي ودول أخرى، أثارا مخاوف لدى بعض القوى الإقليمية من ولادة يمن موحد يمتلك موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية على البحر الأحمر وباب المندب.


ومن هنا ظهرت، لاحقاً، روايات عديدة تربط اغتيال الحمدي بصراع إقليمي على مستقبل اليمن.

 

وثائق جديدة تعيد فتح الملف:

بحسب الوثائق التي حصلت عليها «صفحة احترام»، فإن هناك أربع وثائق سرية تتناول جوانب من عملية اغتيال الحمدي.


وتشير إحدى الوثائق، وفقاً لما نشرته الصفحة، إلى عبارة تفيد بوجود «تأليف سعودي بالتعاون مع المخابرات الأمريكية» في سياق الحديث عن عملية الاغتيال.


وتكتسب هذه العبارة أهمية كبيرة إذا ثبتت صحة الوثيقة وسياقها، لأنها تفتح الباب أمام فرضية أن عملية الاغتيال لم تكن شأناً يمنياً داخلياً فقط.


وتشير الوثائق كذلك إلى استقطاب شخصيات يمنية عسكرية وأمنية ومدنية باستخدام الأموال والامتيازات، وإلى وجود ترتيبات سبقت عملية الاغتيال وتواصلت بعدها بهدف احتواء تداعياتها.


لكن هذه المعطيات، مهما كانت خطورتها، تحتاج إلى قراءة الوثائق كاملة والتحقق من مصدرها وتسلسلها الزمني وهوية الجهة التي أصدرتها.
أسماء في قلب الرواية


من أبرز الأسماء التي ترد في الوثائق، بحسب ما نشرته «صفحة احترام»، اسم العقيد صالح الهديان، الملحق العسكري السعودي في صنعاء آنذاك.


وتنسب الوثائق إليه دوراً مباشراً في الإشراف على العملية، وتقول إنه كان موجوداً في منزل أحمد الغشمي في الساعات التي سبقت وصول الحمدي.


كما تتحدث الوثائق عن صلات بين الهديان ومسؤولين سعوديين كانوا يتابعون الملف اليمني، وتذكر اسم علي بن مسلم، إلى جانب الأمير سلطان بن عبدالعزيز، باعتبارهما من الشخصيات المرتبطة بالملف اليمني في تلك المرحلة.


وتضع الرواية كذلك الملك خالد بن عبدالعزيز وولي عهده آنذاك فهد بن عبدالعزيز ضمن دائرة المسؤولية السياسية التي تزعمها الوثائق.
أما على الجانب اليمني، فتتكرر أسماء أحمد الغشمي وعلي عبدالله صالح، إلى جانب شخصيات أخرى تقول الوثائق إنها كانت حاضرة أو مرتبطة بالتنفيذ أو الترتيبات اللاحقة.


الساعات الأخيرة:


تروي الوثائق، وفقاً للرواية المنشورة، أن خطة اغتيال الحمدي سبقتها محاولات متعددة.


وتتحدث عن محاولات لاستقطاب منفذين، وعن استخدام أطراف قبلية لإحداث اضطرابات في صنعاء، وصولاً إلى السيناريو الأخير: دعوة الرئيس إلى منزل أحمد الغشمي.


وصل الحمدي إلى المنزل في وقت متأخر عن الموعد المتوقع، واعتذر عن تناول الطعام، قبل أن يتجه إلى إحدى الغرف برفقة الغشمي وعلي عبدالله صالح، وفقاً للرواية.


هناك، وقعت الجريمة التي أنهت حياة الرئيس وشقيقه عبدالله، وأودت كذلك بحياة امرأتين فرنسيتين كان وجودهما في المنزل جزءاً من روايات متضاربة ظهرت لاحقاً حول ملابسات الحادث.


وبعد ذلك، غادر المنفذون المكان، فيما بدأت مرحلة أخرى من العملية: صناعة الرواية الرسمية للجريمة.


من الاغتيال إلى التغطية


لم تتوقف تداعيات الجريمة عند لحظة إطلاق النار.


فبعد اغتيال الحمدي، تولى أحمد الغشمي رئاسة الدولة، وأعلنت السلطات رواية رسمية لم تكشف بصورة واضحة عن جميع ملابسات العملية والجهات التي تقف خلفها.


وتشير الرواية التي تتبناها الوثائق الجديدة إلى أن تحميل المسؤولية للغشمي وحده ساهم في حجب أدوار محتملة لأطراف أخرى.


وبحسب هذه الفرضية، فإن إبقاء الملف مفتوحاً على اتهام طرف واحد سمح بإخفاء شبكة أوسع من المشاركين، وأبقى عدداً من الشخصيات داخل دائرة النفوذ السياسي والإقليمي.
ماذا تقول الشهادات الأخرى؟


رواية التدخل السعودي في اغتيال الحمدي ليست جديدة بالكامل.


فقد ظهرت خلال السنوات الماضية شهادات وتصريحات وأعمال وثائقية تناولت القضية من زوايا مختلفة.


ومن بينها الفيلم الوثائقي «الغداء الأخير» الذي بثته قناة الجزيرة عام 2019، والذي ناقش فرضية تورط السعودية في عملية الاغتيال.


كما نقلت تقارير وشهادات عن السفير الأمريكي السابق في اليمن إدوارد غنيم اعتقاده بوجود مؤشرات على تقديم أموال للغشمي وعلي عبدالله صالح عبر وسيط قبلي.


وفي تسجيل منسوب إلى علي عبدالله صالح قبل مقتله، وردت اتهامات للسعودية بالوقوف خلف اغتيال الحمدي، مع الإشارة إلى دور الملحق العسكري السعودي صالح الهديان.


غير أن الشهادات السياسية، مهما بلغت أهميتها، تظل بحاجة إلى مقارنتها بالوثائق الأصلية والأرشيفات الرسمية والشهادات المستقلة قبل تحويلها إلى حقائق تاريخية نهائية.


الوثائق البريطانية:


وتضيف وثائق بريطانية رُفعت عنها السرية، بحسب ما تقول «صفحة احترام»، بعداً آخر للرواية، من خلال الإشارة إلى وجود تواطؤ بين أطراف يمنية نافذة وزعماء قبليين في عملية الاغتيال.


كما تتحدث بعض الروايات المستندة إلى شهادات حراس ومصادر محلية عن توقيت مختلف للوفاة عن الرواية الرسمية التي ظهرت في حينها.


وإذا ثبتت صحة هذه التفاصيل، فإنها قد تعيد طرح أسئلة جوهرية حول الساعات التي سبقت إعلان وفاة الرئيس الحمدي، وما جرى فعلياً داخل منزل الغشمي.


لماذا بقيت الحقيقة غامضة كل هذه السنوات؟


اغتيال إبراهيم الحمدي لم يكن حادثة عادية.


لقد وقع في مرحلة سياسية شديدة التعقيد، وسط صراع على مستقبل الدولة اليمنية، وتنافس إقليمي على النفوذ، وانقسام داخلي بين مراكز قوى متعددة.


كما أن الشخصيات المرتبطة بالقضية أصبحت لاحقاً جزءاً من النظام السياسي والعسكري الذي حكم اليمن لعقود.


وهذا ما يجعل فتح الملف اليوم أكثر تعقيداً، لكنه في الوقت نفسه أكثر أهمية.


فالحقيقة التاريخية لا ينبغي أن تبقى رهينة للرواية الرسمية وحدها، كما لا ينبغي أن تتحول الوثائق غير المكتملة إلى أحكام قطعية قبل التحقق منها.
ما لا تنشره الوثائق.


تقول «صفحة احترام» إنها حصلت على أربع وثائق، لكنها قررت عدم نشر أجزاء منها، بدعوى الحفاظ على سرية المصادر وحماية أشخاص قد يتعرضون للخطر.
وهنا تبرز نقطة جوهرية في التحقيق:


إذا كانت الوثائق الأصلية موجودة بالفعل، فإن قيمتها التاريخية ستتحدد بمدى إمكانية التحقق من مصدرها، وتاريخ إصدارها، والجهة التي أعدتها، وسلسلة انتقالها، ومقارنتها مع الوثائق البريطانية والأمريكية والسعودية واليمنية ذات الصلة.

 

جريمة لم يُغلق ملفها


بعد 49 عاماً تقريباً، لا يزال اغتيال إبراهيم الحمدي واحداً من أكثر الملفات غموضاً في التاريخ السياسي اليمني الحديث.


لكن ما تكشفه الوثائق والشهادات المتداولة يعيد طرح السؤال الذي ظل مطروحاً منذ 1977:


هل كان اغتيال إبراهيم الحمدي انقلاباً داخلياً على رئيس حاول تغيير موازين القوى، أم عملية ذات امتدادات إقليمية شاركت فيها أطراف يمنية وخارجية؟


الوثائق الجديدة تضع الرياض في قلب الاتهام، وتقدم رواية تقول إن التخطيط والتمويل والإشراف تجاوزت الحدود اليمنية، بينما كان التنفيذ بأيدٍ يمنية.


وإذا تمكنت الجهات المختصة والباحثون من التحقق المستقل من هذه الوثائق وربطها بالأرشيفات الدولية، فقد نكون أمام واحدة من أهم عمليات إعادة قراءة تاريخ اليمن السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين.


فـ«الغداء الأخير» لم يعد مجرد واقعة سبقت اغتيال رئيس.


بل أصبح رمزاً لملف سياسي ظل مفتوحاً، وانتظر قرابة نصف قرن كي تعود الأسئلة التي طُمست خلف جدران السلطة إلى الواجهة من جديد.

 

بعد نحو نصف قرن على اغتيال الرئيس اليمني إبراهيم الحمدي، تعيد وثيقة بريطانية سرية فتح واحد من أكثر الملفات غموضاً في التاريخ السياسي اليمني الحديث.

الوثيقة، التي تحمل عنوان «ASSASSINATION OF COLONEL HAMDI»، أُعدت في أعقاب اغتيال الحمدي مباشرة، وتتناول الاحتمالات التي كانت مطروحة لدى الحكومة البريطانية بشأن الجهات التي يمكن أن تكون وراء الجريمة.

واللافت في الوثيقة أنها لا تقدم رواية واحدة، ولا تتهم جهة بعينها بصورة قاطعة، لكنها تضع أمام صانع القرار البريطاني ثلاث فرضيات رئيسية، من بينها القبائل الشمالية المرتبطة بدرجة من الدعم السعودي.

وبذلك تقدم الوثيقة صورة مهمة عما كانت لندن تعرفه أو ترجحه في الأيام الأولى التي أعقبت اغتيال الحمدي، بعيداً عن الروايات التي ظهرت لاحقاً.


وثيقة من قلب لندن :

تظهر الوثيقة في صورة مسودة تحمل تصنيف CONFIDENTIAL، وموجهة إلى «Mr B Cartledge – No.10»، في إشارة إلى مكتب رئيس الوزراء البريطاني في 10 داوننغ ستريت.

وتبدأ بالقول إن العقيد إبراهيم الحمدي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي في شمال اليمن والرجل الذي كان يتولى فعلياً قيادة الدولة، «اغتيل الليلة الماضية على يد مهاجمين مجهولين».

وتقترح الوثيقة أن يشير رئيس الوزراء البريطاني، خلال استقباله الأمير نايف، إلى اغتيال الحمدي وأن يعبر عن «الصدمة والحزن» إزاء الجريمة.


لكن الأهم يأتي في الفقرة التالية ، فالوثيقة تقول إن هناك ثلاث مجموعات محتملة ربما كانت لديها الرغبة في اغتيال الحمدي.

الفرضية الأولى: القبائل الشمالية والدعم السعودي :

تضع الوثيقة في مقدمة الاحتمالات القبائل الشمالية بقيادة الشيخ عبدالله الأحمر.


وتشير إلى أن هذه القبائل كانت في معارضة مسلحة متقطعة للحكومة المركزية، «مع درجة من الدعم السعودي».


وهذه العبارة القصيرة تكتسب أهمية كبيرة في قراءة المشهد السياسي الذي سبق اغتيال الحمدي.


فالوثيقة البريطانية لا تقول إن السعودية أمرت بقتل الحمدي، لكنها تؤكد أن لندن كانت ترى وجود دعم سعودي للقبائل المعارضة للحكومة المركزية، وأن هذا العامل كان جزءاً من السياق الذي ينبغي أخذه في الاعتبار عند البحث عن دوافع الجريمة.


وتشير الوثيقة في الوقت ذاته إلى أن المصالحة بين الحكومة والقبائل كانت قد أُنجزت حديثاً، وأن هيئة الإذاعة البريطانية كانت قد طرحت احتمال مسؤولية هذه المجموعة.

وهنا تظهر أهمية الوثيقة، فهي لا تقدم حكماً نهائياً، بل تسجل تقييم الحكومة البريطانية في ذلك الوقت.

الفرضية الثانية: معارضو الشمال المدعومون من عدن :

الاحتمال الثاني الذي تطرحه الوثيقة هو وجود معارضين راديكاليين لنظام الجمهورية العربية اليمنية، تدعمهم حكومة عدن.


وبذلك كانت لندن تنظر إلى الصراع بين صنعاء وعدن باعتباره أحد المسارات المحتملة لفهم عملية اغتيال الحمدي.

وهذه النقطة لا تتوافق مع طبيعة المرحلة؛ فاغتيال الحمدي جاء قبل أيام قليلة من زيارة كان من المقرر أن يقوم بها إلى عدن للقاء الرئيس سالم ربيع علي، في إطار تطورات متسارعة بشأن العلاقات بين شطري اليمن ومشروع الوحدة.

وتشير دراسة أكاديمية عن السياسة الخارجية لجنوب اليمن إلى أن الحمدي اغتيل ليلة 11-12 أكتوبر 1977، قبل أيام من زيارته الأولى الرسمية إلى عدن، وأن عدن اتهمت لاحقاً السعودية بالمسؤولية عن الجريمة.

الفرضية الثالثة: مؤامرة داخل الجيش :

أما الاحتمال الثالث، فهو وجود مؤامرة داخل صفوف الضباط. وهنا تستخدم الوثيقة عبارة واضحة، إذ تصف هذا الاحتمال بأنه الأقل ترجيحاً.

وتستند في ذلك إلى شعبية الحمدي داخل البلاد، وإلى أن خليفته أحمد الغشمي أعلن إدانته للقتلة.

هذه النقطة مهمة لأنها تظهر أن البريطانيين في الساعات الأولى لم يكونوا يتعاملون مع رواية «الانقلاب العسكري الداخلي» باعتبارها التفسير الأكثر ترجيحاً.

لكنها في الوقت نفسه لا تعني أن الوثيقة تستبعد تورط عسكريين يمنيين؛ فهي ببساطة تسجل التقييم البريطاني المبكر لاحتمالات الجريمة.

لماذا كان الحمدي في قلب صراع النفوذ؟

لفهم أهمية هذه الوثيقة، لا بد من العودة إلى طبيعة العلاقة بين إبراهيم الحمدي والقوى القبلية والسعودية.

فالحمدي حاول خلال سنوات حكمه تعزيز سلطة الدولة وتقليص نفوذ مراكز القوى القبلية والعسكرية الموالية للسعودية ، وهو ما أدخله في صراعات سياسية مع شخصيات قبلية نافذة.

وتشير دراسة لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن الحمدي أجرى تغييرات هدفت إلى توسيع سلطة الدولة وتقليص نفوذ القبائل، وأن رئاسته انتهت باغتياله في ظروف بقيت غير واضحة.

 

دراسة عسكرية أمريكية:


وتشير دراسة عسكرية أمريكية منشورة عبر موقع حكومي أمريكي إلى أن الصراع بين الحمدي والشيخ عبدالله الأحمر كان ممتداً، وأن الطرفين سعيا إلى الحصول على الدعم السعودي، كما تشير إلى أن الحمدي حاول عام 1977 جعل المساعدات السعودية للقبائل تمر عبر حكومة صنعاء بدلاً من قنوات مباشرة، وهو ترتيب كان يتعارض مع المصالح السعودية ونفوذها التقليدي عبر شبكات الزعامات القبلية.

وهذه المعطيات تشير إلى تورط السعودية في الاغتيال، وتوضح حجم التعارض في المصالح والنفوذ الذي كان قائماً قبل الجريمة.


وثيقة بريطانية أخرى تفتح باباً أوسع :

 

الأهم أن الوثيقة التي بحوزتنا ليست بالضرورة الوثيقة البريطانية الوحيدة المتعلقة بالحادثة، فالأرشيف الرقمي للخليج العربي يوثق ملفاً بريطانياً يحمل الرقم:
FCO 8/2851 ويعود إلى عام 1977، ويضم مراسلات ومحاضر ومواد تتعلق بلجنة تجارة الشرق الأوسط، ومن بين الموضوعات المدرجة فيه، «الوضع في الجمهورية العربية اليمنية بعد اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي»..

كما يتضمن الملف مواد عن العلاقات البريطانية مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وزيارة وزير الدفاع البريطاني فريد موللي إلى السعودية في سبتمبر 1977، وزيارة وزير الداخلية السعودي الأمير نايف إلى بريطانيا في أكتوبر من العام نفسه.


وهذا الملف تحديداً يستحق البحث في صفحاته الأصلية، لأنه قد يحتوي على تقارير أو مراسلات بريطانية إضافية كتبت بعد الاغتيال مباشرة.

 

 ماذا كانت لندن تعرف؟

الوثيقة التي أمامنا تكشف أن الحكومة البريطانية كانت تملك، في الأيام الأولى بعد الجريمة، تصوراً معقداً عن أسبابها.

لم يكن الحديث عن قاتل مجهول فقط.

بل كانت هناك ثلاثة مسارات يجري بحثها:

القبائل الشمالية المدعومة من السعودية.

المعارضة الراديكالية المدعومة من عدن.

مؤامرة داخل الجيش.

ومن اللافت أن الوثيقة لم تعتمد رواية واحدة، بل قدمت الاحتمالات الثلاثة لصانع القرار البريطاني مع تقييم نسبي لكل منها.

وهذا يجعلها وثيقة استخباراتية/دبلوماسية مهمة لفهم ما كان معروفاً في حينه، وليس بالضرورة لإثبات من ارتكب الجريمة.

السعودية في خلفية المشهد :

تكشف مصادر تاريخية أخرى أن النفوذ السعودي في شمال اليمن لم يكن أمراً طارئاً، فقد كانت الرياض تمتلك علاقات واسعة مع زعامات قبلية يمنية، وكانت المساعدات والروابط السياسية إحدى أدوات نفوذها في البلاد.

وتشير دراسة عن تاريخ العلاقات السياسية والعسكرية في اليمن إلى أن سياسة الحمدي الداخلية كانت تهدف إلى نقل مركز الثقل من القوى القبلية إلى الدولة والجيش، في وقت كانت السعودية تمتلك مصالح ونفوذاً عبر الشبكات القبلية.

كما تشير مصادر أكاديمية إلى أن اغتيال الحمدي جاء في لحظة شديدة الحساسية من العلاقة بين الشمال والجنوب، وأن مشروع التقارب والوحدة كان أحد العوامل السياسية المحيطة بالجريمة.

 

 هل تثبت الوثيقة تورط السعودية؟

هذه نقطة يجب ألا نتجاوزها.

الوثيقة تثبت أن البريطانيين كانوا على علم بوجود دعم سعودي للقبائل الشمالية، وأنهم وضعوا هذه القبائل ضمن ثلاث فرضيات محتملة لمن أراد اغتيال الحمدي.

لكنها لا تحتوي ـ في الصفحة التي أمامنا ـ على أمر سعودي بالاغتيال، ولا على اسم مسؤول سعودي يأمر بتنفيذ العملية، ولا على دليل مباشر على تمويل عملية الاغتيال.
وهذا لا يغلق باب البحث، بل يفتحه.

فالسؤال الحقيقي الآن هو: هل توجد وثائق بريطانية أخرى من الفترة نفسها تتضمن معلومات أكثر تحديداً عن صلة الرياض بالعملية؟

وهنا تكمن أهمية البحث في ملف FCO 8/2851 وغيره من الملفات الدبلوماسية البريطانية والأمريكية.

بعد الحمدي :

بعد اغتيال الحمدي انتقلت السلطة إلى أحمد الغشمي، ودخل اليمن مرحلة سياسية جديدة.

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن اغتيال الحمدي أدى إلى تصاعد التوتر بين شطري اليمن، كما شهدت المرحلة اللاحقة تغيراً في العلاقة مع القوى القبلية والسياسة الداخلية في الشمال.

وبعد أقل من عام، اغتيل أحمد الغشمي نفسه في يونيو 1978.

وهكذا دخل اليمن في سلسلة من الاغتيالات والصراعات السياسية التي جعلت ملف الحمدي أكثر غموضاً، خصوصاً أن عدداً من الشخصيات التي ظهرت أسماؤها في سياق تلك المرحلة أصبحت لاحقاً من أبرز صانعي القرار في اليمن.

نصف قرن من الأسئلة :

بعد 49 عاماً تقريباً، لا يزال السؤال الأكبر بلا إجابة نهائية:

من قتل إبراهيم الحمدي؟

الوثيقة البريطانية التي بين أيدينا لا تقدم الإجابة النهائية.

لكنها تقدم شيئاً لا يقل أهمية:

 إنها تكشف أن الحكومة البريطانية، مباشرة بعد الاغتيال، كانت تدرس ثلاث فرضيات للجريمة، وأن الدعم السعودي للقبائل الشمالية كان جزءاً من الحسابات التي دخلت في تقييم المسؤولية المحتملة.

وهذا وحده يجعل الوثيقة قطعة مهمة في إعادة بناء المشهد الذي سبق اغتيال الرئيس اليمني.

وكان الرئيس اليمني الأسبق علي عبدالله صالح قد اعترف بوجود قرار سعودي مباشر بالاغتيال.

 


 1. وثيقة CIA — 5 يناير 1978
العنوان: Saudi Arabia–North Yemen: Ambivalent Relations

هذه من أهم الوثائق وهي مذكرة أعدتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA بعد اغتيال الحمدي بنحو ثلاثة أشهر.

 أهم ما تقوله الوثيقة:

السعودية كانت تنظر إلى اليمن باعتباره «حديقتها الخلفية».

تقول إن السعوديين استخدموا القبائل الشمالية تقليدياً كأداة نفوذ.

وتقول إن عناصر قوية في الحكومة السعودية كانت ترى أن أفضل وسيلة لمنع قيام دولة يمنية قوية هي إبقاء حكومة صنعاء ضعيفة عبر دعم القبائل.

وتذكر أن الأمير سلطان كان من المتشددين تجاه الحمدي وأنه دعم القبائل.

والأهم أنها تقول صراحة:


“We do not know who, if anyone, was behind the assassination of Hamdi, but it is widely believed in North Yemen that the Saudis were involved.”
أي:
«لا نعرف من كان، إن كان هناك أحد، وراء اغتيال الحمدي، لكن كان يُعتقد على نطاق واسع في شمال اليمن أن السعوديين متورطون.».

 

 وهذه صياغة مهمة جداً لأنها لا تثبت التورط السعودي، لكنها تثبت أن الاعتقاد بتورط السعودية كان واسعاً وأن الـCIA كانت تسجله في وثيقة سرية.

والأهم أن الحاشية رقم 3 في الوثيقة تشير إلى برقية أمريكية بتاريخ 2 يناير 1978 تقول إن السفارة الأمريكية في صنعاء كانت قد أصبحت مستعدة للقول إن الحمدي قُتل على أيدي ضباط يمنيين في انقلاب، وإن أحمد الغشمي لعب دوراً في الاغتيال، وأن المقدم علي عبدالله صالح كان أحد القتلة، وفقاً للتقييم الأمريكي المشار إليه في الوثيقة.

 2. وثيقة أمريكية عن العلاقات بين الحمدي والسعودية — 1976


هذه وثيقة أمريكية أخرى مهمة جداً لفهم العلاقة بين الحمدي والرياض قبل اغتياله.

 الوثيقة تسجل اجتماعاً ضم الحمدي والأمير سلطان وأحمد الغشمي والملحق العسكري السعودي هوديان/الهديان.

وتقول إن الأمير سلطان أظهر دعماً واضحاً للحكومة المركزية والحمدي شخصياً، بل إن الوثيقة تصف الزيارة بأنها انتهت بعلاقات دافئة ومتفهمة بين الحمدي وسلطان. 
search.wikileaks.org
وهذه الوثيقة مهمة لأنها تمنعنا من الوقوع في تبسيط تاريخي خطير: العلاقة بين الحمدي والسعودية لم تكن عداءً دائماً؛ بل كانت علاقة معقدة شهدت تعاوناً وخلافات وتغيراً في المواقف.

 


 3. وثيقة أمريكية — نوفمبر 1977: «المعضلات الإقليمية لليمن»


هذه برقية من السفارة الأمريكية في صنعاء إلى وزارة الخارجية بتاريخ 7 نوفمبر 1977، أي بعد أسابيع قليلة من اغتيال الحمدي.

 وتقول السفارة إن اغتيال الحمدي أدى إلى تعريض المكاسب التي تحققت في عهده للخطر، وإن الولايات المتحدة تواجه معضلة في سياستها تجاه اليمن والسعودية.

وتكتسب هذه الوثيقة أهمية إضافية لأنها تربط تداعيات الاغتيال بثلاث دوائر:

 اليمن – السعودية – جنوب اليمن.


 6. وثيقة أمريكية أخرى عن الصراع بين الحمدي والقبائل والسعودية

هذه وثيقة/دراسة أمريكية رسمية تتناول تاريخ اليمن وتشرح أن الحمدي كان يحاول نقل ميزان القوة من القبائل إلى الحكومة المركزية والجيش.

وتقول إن الحمدي في عام 1977 ضغط على السعوديين لكي تمر مساعداتهم للقبائل عبر حكومة صنعاء، بدلاً من قنوات مباشرة، وأن ذلك كان يتعارض مع المصالح السعودية ونفوذها التقليدي عبر حلفائها القبليين.

 والأهم: وثيقة أمريكية تشير إلى الغشمي وعلي عبدالله صالح


في وثيقة CIA بتاريخ 5 يناير 1978، توجد إحالة إلى برقية أمريكية بتاريخ 2 يناير 1978 تقول إن السفارة الأمريكية في صنعاء كانت قد خلصت إلى أن:

الحمدي قُتل على أيدي ضباط يمنيين في انقلاب.

أحمد الغشمي لعب دوراً في الاغتيال.

علي عبدالله صالح كان، بحسب التقييم الوارد في البرقية، أحد القتلة.

وكان الدافع ـ وفق التقييم الأمريكي المشار إليه ـ مرتبطاً باعتقادهم بأن علاقة الحمدي بالجنوب كانت تتزايد بينما علاقته بالسعوديين تتراجع.


هذه معلومة وثائقية أقوى بكثير من القول إن "هناك روايات تتهم علي عبدالله صالح".
لكن علينا أن ننسبها بدقة إلى التقييم الأمريكي الوارد في البرقية، لا أن نقدمها كحقيقة قضائية مثبتة.

 

 هذه هي البرقية رقم 15 البرقية تحمل الرقم:

SANA 0015 / Telegram 15 — صنعاء، 2 يناير 1978
موضوعها: ASSASSINATION OF YAR CHIEF OF STATE HAMDI
أي: اغتيال رئيس دولة الجمهورية العربية اليمنية إبراهيم الحمدي.

وهي ضمن سجلات وزارة الخارجية الأمريكية المفرج عنها، وكانت في الأصل SECRET / NODIS، ثم رُفعت عنها السرية في 20 مارس 2014. والوثيقة الأصلية مكوّنة من صفحتين.

 ماذا تقول البرقية؟


النقطة الأولى — اتهام مباشر لضباط يمنيين
تقول السفارة الأمريكية في صنعاء إنها أصبحت مستعدة لأن تسجل رسمياً أن الرئيس إبراهيم الحمدي قُتل على أيدي ضباط يمنيين في انقلاب.

وتقول إن الرئيس أحمد الغشمي تواطأ في عملية قتله، وإن عملية الاغتيال وقعت في منزله عقب مأدبة الغداء التي دُعي إليها الحمدي.


وتضيف البرقية أن الفتاتين الفرنسيتين قُتلتا لاحقاً في منزلهما، وأن جثمان الحمدي وشقيقه صُوّرا إلى جوار الفتاتين بعد تجريدهما من الملابس بهدف تشويه سمعة الرئيس وإرباك حقيقة القضية.


الأسماء التي تسميها البرقية

وهنا تأتي واحدة من أخطر فقرات الوثيقة.

تذكر البرقية أسماء ثلاثة ضباط باعتبارهم القتلة، وهم:

المقدم علي عبدالله صالح، قائد لواء المجد في عَيْز.

المقدم أحمد فرج، قائد اللواء السادس المدرع في صنعاء.

المقدم حمود قطينة، قائد قوات الاحتياط.

وتوضح البرقية أن بعض الروايات كانت تستبدل الاسمين الثاني والثالث بأسماء أخرى، وخصوصاً النقيب محمد الأنسي، مساعد الغشمي.

لكنها تقول إن اسم علي عبدالله صالح ظل ثابتاً في الروايات التي كانت متداولة في صنعاء، وكذلك بقيت الخطوط العامة للسيناريو متماسكة.


وهنا يجب الانتباه إلى الصياغة: هذه ليست شهادة أمريكية بأن السفارة شاهدت عملية الاغتيال، بل تقرير استخباراتي/دبلوماسي عن المعلومات التي جمعتها السفارة ومصادرها اليمنية.

 

 لماذا قُتل الحمدي؟

تقدم البرقية تفسيراً للدافع.

وتقول إن الدافع كان الاعتقاد بأن علاقة الحمدي تزداد قوة مع الجنوب في الوقت الذي كانت علاقته تتراجع مع السعوديين، وهذا الدافع ينفي تماما ضلوع عدن بعملية اغتيال الرئيس الحمدي .

وتضيف أن الغشمي كان يقول إن خطط الحمدي تجاه الجنوب تضمنت تعاوناً عسكرياً، وهو ما كان يمكن ـ بحسب تقدير البرقية ـ أن يهدد ليس فقط التوجه السياسي للبلاد، وإنما أيضاً مواقع الضباط وقياداتهم ومصالحهم العسكرية.


 لكن المفاجأة الأكبر: ماذا قالت عن السعودية؟

وهي أهم فقرة في البرقية فيما يتعلق بعملية الاغتيال .

حيث تقول السفارة الأمريكية بوضوح أن الأمير سلطان والسديريين كانوا يكرهون الحمدي ولا يثقون به.

ثم تأتي المعلومة اللافتة:

تقول السفارة إن هناك تقارير أخرى عن التواطؤ السعودي جاءت من مصادر يمنية بعد مقتل الحمدي، وإن اليمنيين من مختلف الاتجاهات السياسية كانوا يقولون إن:
السعوديين أمروا باغتيال الحمدي ودفعوا تكاليف العملية.

والأهم أن السفارة تقول إنها أعطت هذه التقارير قدراً من الوزن، خصوصاً بعد مرور ثلاثة أشهر على الجريمة، لأنها رأت أن انتشار هذا الاعتقاد بين يمنيين من اتجاهات سياسية مختلفة يجعله أمراً لا ينبغي رفضه بصورة تلقائية.


لماذا هذه الوثيقة مهمة جداً؟

لأنها تكشف لنا شيئاً أدق من مجرد «وثيقة تتهم السعودية».

الوثيقة تقول في الوقت نفسه:

1. السفارة الأمريكية مقتنعة بأن الحمدي قُتل في انقلاب نفذه ضباط يمنيون.
2. السفارة تربط أحمد الغشمي بالعملية.
3. تذكر علي عبدالله صالح ضمن القتلة بحسب المعلومات التي كانت بحوزتها.
4. ترى أن الدافع المحتمل كان علاقة الحمدي المتنامية مع الجنوب وتراجع علاقته بالسعوديين.
5. تقول ان هناك تقارير يمنية واسعة تقول إن السعودية أمرت ومولت الاغتيال، والسفارة لم تستبعد هذه التقارير بالكامل.