رئيس جامعة عدن يبحث مع القائم بأعمال السفير الصيني تعزيز التعاون الأكاديمي
بحث الأستاذ الدكتور/ الخضر ناصر لصور، رئيس جامعة عدن، مع القائم بأعمال سفارة جمهورية الصين الشعبية ل...
تقدم التجربة الصينية في بناء وتطوير البنية التحتية نموذجًا مهمًا يمكن لليمن الاستفادة منه، ليس من خلال نقل التجربة الصينية كما هي، وإنما عبر تكييفها بما يتناسب مع الظروف الاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي تمر بها البلاد.
ومن أبرز التجارب الصينية الحديثة مشروع «الشبكات الست»، الذي يقوم على تطوير شبكات المياه، والطاقة، والحوسبة، والاتصالات الجديدة، وشبكات المياه الجوفية الحضرية، والخدمات اللوجستية، باعتبارها منظومة مترابطة يمكن أن تشكل قاعدة للنمو الاقتصادي والتنمية طويلة المدى.
وقد أعلنت الصين خلال مارس 2026 عن استثمارات تتجاوز 7 تريليونات يوان في بناء «الشبكات الست» ومجالات رئيسية أخرى، في توجه يعكس أهمية البنية التحتية باعتبارها محركًا للنمو الاقتصادي، وليس مجرد مشاريع خدمية منفصلة.
كيف يمكن لليمن الاستفادة؟
بالنسبة لليمن، فإن الأولوية لا تتمثل في تنفيذ مشاريع عملاقة بتكاليف ضخمة، وإنما في إعادة ترتيب البنية التحتية وفق الأولويات الوطنية والبدء بالمشاريع التي تمس حياة المواطنين وتوفر أساسًا لاستعادة النشاط الاقتصادي.
أولًا: شبكة المياه :
المياه تمثل إحدى أكبر التحديات التي تواجه اليمن، خصوصًا مع شح الموارد المائية واستنزاف المياه الجوفية.
ومن هنا يمكن الاستفادة من النموذج الصيني في إدارة الموارد المائية عبر إنشاء شبكة وطنية مترابطة تقوم على حماية مصادر المياه الجوفية، وحصاد مياه الأمطار، وإنشاء السدود والحواجز المائية، وإعادة تأهيل شبكات المياه القائمة، والحد من تسرب المياه.
كما يمكن إدخال التقنيات الحديثة في مراقبة الآبار ومعدلات استهلاك المياه، وربط المدن والمناطق الزراعية بأنظمة معلومات تساعد على اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن توزيع الموارد المائية.
وفي المحافظات الزراعية، يمكن أن يكون التوسع في مشاريع الري الحديث واستخدام الطاقة الشمسية لضخ المياه جزءًا من هذه الاستراتيجية.
ثانيًا: شبكة الطاقة :
لا يمكن لأي اقتصاد أن يتعافى من دون كهرباء مستقرة.
وهنا يمكن لليمن الاستفادة من التجربة الصينية، ولكن بما يتناسب مع طبيعة البلاد ومواردها. فاليمن يمتلك إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية والرياح، ويمكن إنشاء شبكات كهرباء محلية صغيرة Microgrids في المدن والمناطق الريفية، وربطها تدريجيًا بشبكات أكبر.
كما يمكن تحويل المنشآت الحكومية والمستشفيات والمدارس ومحطات المياه إلى مشاريع نموذجية للطاقة الشمسية، بما يقلل تكلفة التشغيل ويخفف الضغط على الشبكة العامة.
والأهم هو الانتقال من مشاريع الطاقة المتفرقة إلى منظومة وطنية للطاقة تتضمن التوليد والتخزين والنقل والتوزيع والصيانة.
ثالثًا: شبكة الاتصالات الجديدة :
يمتلك اليمن فرصة كبيرة في تطوير قطاع الاتصالات والتحول الرقمي.
فبدل أن تبقى الخدمات الحكومية والتعليمية والمصرفية والصحية مرتبطة بالمعاملات الورقية، يمكن إنشاء بنية رقمية وطنية تدريجية تتيح للمواطن إنجاز جزء كبير من معاملاته عن بُعد.
وتشمل الأولويات توسيع تغطية الإنترنت، وتحسين شبكات الهاتف، وربط المؤسسات الحكومية بشبكات آمنة، وتطوير الهوية الرقمية، والدفع الإلكتروني، والخدمات الحكومية الإلكترونية.
وهنا يمكن الاستفادة من الخبرة الصينية في الحكومة الرقمية والمدن الذكية، مع مراعاة احتياجات اليمن وإمكاناته.
رابعًا: شبكة الحوسبة والذكاء الاصطناعي :
قد يبدو إنشاء مراكز حوسبة ضخمة في اليمن أمرًا بعيدًا عن الأولويات الحالية، لكن يمكن البدء بصورة تدريجية.
فاليمن بحاجة إلى بنية تحتية رقمية تخدم الجامعات، والمراكز البحثية، والقطاع المصرفي، والاتصالات، والمؤسسات الحكومية.
ويمكن إنشاء مراكز بيانات وطنية وإقليمية صغيرة، ثم تطويرها مستقبلًا، والاستفادة من الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الزراعة، وإدارة المياه، والتنبؤ بالطقس، وإدارة المرور، والصحة والتعليم.
وبذلك تصبح التكنولوجيا وسيلة لحل مشكلات اليمن اليومية، وليس مجرد قطاع منفصل عن الاقتصاد الحقيقي.
خامسًا: شبكة المياه الجوفية والبنية التحتية الحضرية :
تحتاج المدن اليمنية إلى إعادة النظر في بنيتها التحتية، خصوصًا شبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار والأنفاق والخدمات الموجودة تحت الأرض.
ومن المهم أن تتجه المدن الكبرى وغيرها إلى إنشاء خرائط رقمية لشبكات المياه والصرف والكهرباء والاتصالات، بحيث تعرف الجهات المختصة بدقة مواقع الأنابيب والكابلات والخدمات قبل تنفيذ أي مشروع جديد.
كما يمكن تنفيذ مشاريع لتصريف مياه الأمطار والسيول وحماية المدن من الفيضانات، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر تعرضًا للكوارث.
سادسًا: شبكة الخدمات اللوجستية :
يمتلك اليمن موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا على البحر الأحمر وخليج عدن، وهو موقع يمكن أن يتحول إلى عنصر قوة اقتصادي إذا تم تطوير الموانئ والطرق والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية.
وهنا يمكن الاستفادة من التجربة الصينية في ربط الميناء بالطريق والمنطقة الصناعية والسوق ضمن منظومة واحدة.
فإعادة تأهيل الموانئ، وتحسين الطرق بين المدن والمناطق الإنتاجية، وإنشاء مناطق تخزين وتوزيع حديثة، وتطوير النقل البري والبحري، يمكن أن تخفض تكلفة نقل السلع وتزيد قدرة المنتجات اليمنية على الوصول إلى الأسواق المحلية والخارجية.
من «الشبكات الست» الصينية إلى «الأولويات الست» اليمنية :
لا يحتاج اليمن إلى تقليد الصين حرفيًا، بل يحتاج إلى استخلاص الفكرة الأساسية من التجربة، وهي أن البنية التحتية يجب أن تُبنى باعتبارها منظومة متكاملة وليست مشاريع منفردة.
ويمكن لليمن أن يضع برنامجًا وطنيًا تدريجيًا يقوم على ستة محاور:
المياه والأمن المائي.
الطاقة والكهرباء والطاقة المتجددة.
الاتصالات والتحول الرقمي.
الحوسبة والبيانات والذكاء الاصطناعي.
البنية التحتية الحضرية والصرف وتصريف السيول.
النقل والموانئ والخدمات اللوجستية.
والأهم من ذلك إنشاء قاعدة بيانات وطنية للمشاريع، بحيث لا تبدأ الدولة كل مرة من الصفر، وإنما يكون لديها مخزون من المشاريع الجاهزة، مصنفة حسب الأولوية والتكلفة والموقع والأثر الاقتصادي وعدد المستفيدين.
الشراكة مع الصين :
يمكن أن تمثل الصين شريكًا مهمًا لليمن في هذا المجال، خصوصًا في نقل الخبرات والتكنولوجيا والتدريب وتنفيذ المشاريع، وليس فقط في تمويل البنية التحتية.
ويمكن أن تبدأ الشراكة بمشاريع نموذجية محددة، مثل محطة طاقة شمسية، أو مشروع مياه، أو تطوير ميناء، أو منطقة لوجستية، أو مركز بيانات، ثم يتم تقييم التجربة وتوسيعها.
كما يمكن للجامعات اليمنية والمؤسسات الحكومية إرسال كوادر متخصصة إلى الصين للتدريب في مجالات إدارة المياه والطاقة المتجددة والنقل والذكاء الاصطناعي وإدارة المدن.
التمويل.. العقبة الأكبر:
يبقى التمويل أحد أكبر التحديات أمام اليمن، ولذلك فإن الاستفادة من النموذج الصيني تتطلب البحث عن مصادر تمويل متعددة، تشمل الموازنة الحكومية، والمنح والمساعدات، والقروض التنموية الميسرة، والاستثمار الخاص، والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وهنا تبرز أهمية إعداد دراسات جدوى احترافية للمشاريع، لأن المستثمر أو الجهة المانحة تحتاج إلى رؤية واضحة حول التكلفة والعائد والمخاطر وآلية التنفيذ.
إن الدرس الأهم من تجربة «الشبكات الست» الصينية ليس حجم الأموال التي تنفقها الصين، ولا ضخامة مشاريعها، وإنما طريقة التفكير في التنمية.
فالصين تنظر إلى المياه والطاقة والاتصالات والحوسبة والنقل والخدمات الحضرية باعتبارها أجزاء مترابطة من منظومة اقتصادية واحدة.
أما اليمن، فيمكنه أن يبدأ من إمكاناته المحدودة، عبر تحديد الأولويات، وإعادة تأهيل ما هو قائم، وإنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة قابلة للتوسع، وربط مشاريع البنية التحتية بالإنتاج وفرص العمل.
وإذا نجح اليمن في بناء هذه المنظومة تدريجيًا، فقد تتحول البنية التحتية من عبء على الاقتصاد إلى قاطرة لإعادة الإعمار، وخلق فرص العمل، وتحسين الخدمات، وجذب الاستثمار، واستعادة النشاط الاقتصادي.
وهنا تحديدًا يمكن أن تصبح التجربة الصينية مصدر إلهام لليمن، لا باعتبارها نموذجًا جاهزًا للاستنساخ، وإنما باعتبارها خبرة يمكن تكييفها لبناء نموذج تنموي يمني خاص، ينطلق من احتياجات اليمن وإمكاناته وموقعه الجغرافي.