محافظ أبين لـ«عكاظ» : استعادة الدولة و إنهاء الانقلاب معركة وطنية و مصيرية
أكد محافظ أبين اللواء الدكتور مختار الخضر الرباش الهيثمي، أن المعركة مع الحوثيين مصيرية، تستوجب توحي...
لم يكن البيان الصادر بشأن فرع مصلحة الهجرة والجوازات في المخا والـخوخة مجرد بيان إداري لمعالجة معاملات المواطنين المتوقفة بعد سقوط المدينة.
فبين سطوره معلومة تستحق التوقف طويلاً : معدات حساسة تشمل طابعة الجوازات، وسيرفر البيانات، ودفاتر الجوازات الخام، أُخرجت من المخا قبل سقوط المدينة بأقل من ساعتين، ونقلت إلى عدن.
البيان المنشور في الأول من أكتوبر 2026 يؤكد أن العملية تمت بإشراف رئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية اللواء طارق بن عمير النسي، وبقيادة نائب مدير عام فرع جوازات المخا العقيد محمد شيخ، وأن المعدات وصلت إلى عدن.
لكن السؤال الذي لا يجيب عنه البيان هو الأهم : كيف عرفت قيادة الجوازات أن سقوط المخا أصبح قريباً إلى هذا الحد؟
أول خيط: «أقل من ساعتين»
العبارة المستخدمة في البيان ليست «قبل سقوط المدينة بفترة وجيزة» فقط، بل «قبيل سقوط مدينة المخا بأقل من ساعتين».
وهنا تظهر فرضيتان:
إما أن المسؤولين اتخذوا قرار الإجلاء بناءً على تطورات ميدانية متسارعة، ثم اتضح بعد ذلك أن السقوط وقع بعد أقل من ساعتين.
وإما أن جهة ما كانت قد أبلغت قيادة المصلحة مسبقاً بأن الوضع العسكري يتجه إلى سقوط المدينة خلال فترة زمنية قصيرة.
والفرق بين الاحتمالين كبير جداً.
فإذا كان التوقيت معروفاً مسبقاً، فإن السؤال يصبح: من كان يملك هذه المعلومة؟
هل كانت قيادة عسكرية؟
هل كانت جهة أمنية؟
هل كانت قيادة ميدانية داخل المخا؟
أم أن هناك غرفة عمليات أو جهة أخرى كانت تتابع مسار المعركة بصورة لحظية؟
البيان لا يقدم إجابة.
الخيط الثاني: لماذا عدن؟
السؤال الثاني لا يقل أهمية.
لماذا عدن؟
فالبيان لا يقول إن المعدات نُقلت إلى أقرب فرع للجوازات، ولا إلى مدينة آمنة مجاورة، بل يحدد بصورة واضحة العاصمة عدن كوجهة نهائية.
وهذا يعني أن عملية النقل لم تكن مجرد إخلاء عشوائي لمعدات من منطقة خطر، وإنما كانت هناك وجهة محددة تستطيع استقبال السيرفر وطابعة الجوازات ودفاتر الجوازات الخام.
فهل كانت عدن جزءاً من خطة الطوارئ الموضوعة مسبقاً؟ أم أن قرار النقل إلى عدن اتُخذ في الساعات الأخيرة؟ ومن أصدر القرار؟ ومن وفر وسيلة النقل والحماية والطريق؟
هذه الأسئلة تبدو أكثر أهمية عندما نعرف أن المعدات لم تُنقل فقط، بل استُكملت لاحقاً معاملات الجوازات الموجودة في مرحلة الطباعة داخل عدن، بينما أُلغيت معاملات أخرى كانت تنتظر الترحيل بسبب بقاء الملفات الورقية في أرشيف الفرع الذي أصبح تحت السيطرة الجديدة.
ماذا بقي في المخا؟
اللافت أن عملية الإجلاء لم تشمل كل شيء. فبحسب البيان، تم إخراج المعدات الحساسة ودفاتر الجوازات الخام، بينما بقي الأرشيف الورقي في مقر الفرع. وهنا تظهر نقطة أخرى تحتاج إلى تفسير: إذا كان خطر سقوط المدينة معروفاً قبل وقت كافٍ لتنفيذ عملية أمنية معقدة، فلماذا لم يتم إجلاء الأرشيف الورقي أيضاً؟ هل كان ضيق الوقت هو السبب؟ هل كانت هناك أولويات محددة لحماية الأنظمة والبيانات قبل الوثائق الورقية؟ أم أن طبيعة العملية كانت مصممة منذ البداية لحماية «المعدات الحساسة» فقط؟
لا يقدم البيان تفسيراً لهذه النقطة. هل كان هناك إنذار مسبق؟
المعلومات المتاحة علناً حتى الآن تثبت أن عملية الإجلاء حدثت وأن المعدات وصلت إلى عدن، لكنها لا تثبت من أين جاءت معلومة السقوط ولا أنها كانت معلومة استخباراتية مسبقة.
كما أن المخا كانت قد تعرضت قبل ذلك لهجمات واسعة استهدفت مرافق حيوية ومدنية، ووثقت تقارير صحفية سقوط صواريخ في محيط مبنى الجوازات، ولم يتم اتخاذ أي إجراء بنقل او غيره ؟ لكن يبقى توقيت الإجلاء، بحسب البيان نفسه، هو الحلقة التي تستحق التحقيق.
ما الذي نحتاج إلى معرفته؟
حتى تتحول القصة من تساؤلات إلى حقيقة موثقة، هناك خمسة أسئلة محددة تحتاج إلى إجابة رسمية:
1. متى صدر أمر إجلاء معدات جوازات المخا؟
2. من الجهة التي أبلغت قيادة المصلحة بأن سقوط المدينة أصبح وشيكاً؟
3. هل كانت عبارة «أقل من ساعتين» معلومة متوقعة مسبقاً أم توصيفاً زمنياً بعد وقوع السقوط؟
4. من حدد عدن وجهة للمعدات؟
5. هل كان إجلاء المعدات جزءاً من خطة طوارئ عامة تشمل فروعاً ومؤسسات حكومية أخرى في المناطق المهددة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة قد تكشف إن كانت العملية مجرد إجراء إداري وأمني احترازي، أم أنها كانت جزءاً من ترتيبات أوسع.
ما وراء قصة الجوازات؟
ربما تكون أهم نقطة في هذه القصة أن الجوازات ليست مؤسسة عسكرية، ومع ذلك فإن ما جرى يتطلب معرفة مبكرة بالخطر، وقراراً سريعاً، ووسيلة نقل، وحماية، ووجهة استقبال مجهزة. وهذا يطرح سؤالاً أكبر: هل كان سقوط المخا مفاجأة كاملة للمؤسسات الحكومية الموجودة فيها، أم أن بعض الجهات كانت قد تلقت مؤشرات مسبقة وبدأت بإخلاء ما تعتبره حساساً قبل وصول المعركة إلى لحظتها الأخيرة؟
إذا كانت الإجابة الثانية صحيحة، فالمسألة لا تتعلق بفرع الجوازات وحده، وإنما بطريقة إدارة المعلومات واتخاذ القرار قبيل انهيار السيطرة على منطقة بأكملها.
والسؤال الأكبر: ماذا بعد المخا؟ هنا يصل التحقيق إلى النقطة الأكثر حساسية.
إذا ثبت لاحقاً أن إجلاء معدات الجوازات لم يكن حالة منفردة، وأن مؤسسات أخرى تلقت أوامر مماثلة، وأن عمليات نقل مماثلة جرت باتجاه عدن قبل انهيارات ميدانية أخرى، فقد يصبح من المشروع بحث فرضية وجود خطة أوسع لإعادة ترتيب المؤسسات والمراكز الحكومية باتجاه عدن قبل توسع نطاق الأحداث جنوباً. أم ان عملية إجلاء معدات جوازات المخا كانت جزءاً من خطة لإسقاط عدن أو المحافظات الجنوبية.
القضية إذن ليست: «لماذا نقلوا طابعة الجوازات؟» القضية الحقيقية هي: من عرف أن المخا ستسقط؟ ومتى عرف؟ ومن أصدر قرار الإجلاء؟ ولماذا كانت عدن هي الوجهة؟ وهل كان ذلك إجراءً منفرداً لإنقاذ معدات حكومية، أم حلقة من ترتيبات أوسع سبقت سقوط المدينة؟
والأهم: هل كانت المخا بداية سلسلة من الأحداث، وهل توجد مؤشرات مماثلة في محافظات أخرى يمكن أن تكشف ما إذا كان ما جرى مجرد إخلاء احترازي أم جزءاً من خطة أكبر لإعادة رسم خريطة السيطرة وصولاً إلى عدن والمحافظات الجنوبية؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها البيانات وحدها ! وإنما تحتاج إلى مقارنة توقيت إخلاء المؤسسات، ومسارات نقل المعدات، والأوامر الإدارية، والتحركات العسكرية في الساعات والأيام التي سبقت سقوط المخا.
وحتى تظهر هذه الأدلة، تبقى فرضية وجود خطة لإسقاط عدن والجنوب سؤالاً تحقيقياً مفتوحاً .