"برونزيات بنين" .. تراث نهبته أوروبا و ينتظر العودة لإفريقيا

  • آلاف القطع الفنية نُهبت عام 1897 خلال حملة استعمارية بريطانية على مملكة بنين القديمة ولا تزال معروضة في متاحف أوروبية.
  •  
  • ألمانيا وهولندا وجامعة كامبريدج أعادوا إلى نيجيريا عشرات القطع خلال الأعوام الماضية بينما لا يزال المتحف البريطاني مترددا.
  •  
  • التقديرات تشير إلى أن ما بين 90 و95 بالمئة من التراث الثقافي الإفريقي لا يزال موجودا خارج القارة.
  •  
  • باحثون من مبادرة "أوبن ريستيتيوشن أفريقيا" يرون أن إعادة القطع المنهوبة يخضع لسيطرة المؤسسات الغربية التي تحدد شروط العملية وآلياتها.
  •  
  • اليونسكو تدعو لتعاون.

أعادت قضية "برونزيات بنين" في نيجيريا تسليط الضوء على ملف التراث الثقافي الإفريقي المنهوب خلال الحقبة الاستعمارية، في ظل استمرار وجود آلاف القطع الفنية خارج القارة رغم تزايد الدعوات لإعادتها.

و"برونزيات بنين" هي مجموعة فنية تاريخية شهيرة تعود لمملكة بنين القديمة (في ما يُعرف اليوم بولاية إدو في جنوب نيجيريا)، وتُعد البرونزيات واحدة من أبرز رموز التراث الإفريقي التي أُنتجت خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر.

وتشمل الأعمال الفنية رؤوسا ملكية ولوحات بارزة وتماثيل لحيوانات تحمل قيمة تاريخية وثقافية كبيرة

سرقات وإعادة

في عام 1897، خلال ما عُرف بـ"حملة بنين"، قامت القوات البريطانية بنهب آلاف القطع ونقلها إلى أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث توزعت بين متاحف ومجموعات خاصة، ولا تزال نسبة كبيرة منها معروضة حتى اليوم.

منذ عقود، تطالب نيجيريا وبنين بإعادتها، معتبرة ما حصل للبرونزيات "سرقة استعمارية".

وفي السنوات الأخيرة تسارعت عمليات الإعادة، إلا أنها لا تزال دون المستوى المطلوب، حيث أعادت ألمانيا إلى نيجيريا عشرات القطع، وهولندا أعادت 119 قطعة إلى نيجيريا عام 2025، في أكبر عملية إعادة حتى الآن.

كما أعاد متحف الآثار والأنثروبولوجيا في جامعة كامبريدج البريطانية 116 قطعة إلى نيجيريا عام 2026، بينما لا يزال المتحف البريطاني (الذي يحتفظ بأكبر مجموعة بنحو 900 قطعة) مترددا في إعادة بعض القطع بسبب القوانين البريطانية.

وتشير التقديرات إلى أن ما بين 90 و95 بالمئة من التراث الثقافي الإفريقي لا يزال موجودا خارج القارة، فيما تواجه عمليات الإعادة عقبات قانونية ومؤسسية متعددة.

هيمنة غربية

ويشير خبراء إلى أن مسار إعادة القطع المنهوبة يخضع بدرجة كبيرة لسيطرة المؤسسات الغربية، التي تحدد شروط العملية وآلياتها.

ويؤكد باحثون من مبادرة "أوبن ريستيتيوشن أفريقيا"، المهتمة بتتبّع جهود استعادة الآثار الإفريقية المنهوبة الموجودة في المتاحف الأوروبية، أن هذه المؤسسات تقرر "من يملك حق الحديث (عن موضوع إعادة البرونزيات)، وما يُعد دليلا، ومدى سرعة الإعادة".

واعتبروا ذلك خللا في بنية عملية استعادة البرونزيات وليست مجرد خلافات سطحية.

ويرى الباحثون أن هذا النهج يؤدي إلى تهميش مطالب الدول الإفريقية، حيث يجري تقديم ما تقوم به الدول الغربية من إعادة للبرونزيات على أنه "مبادرات طوعية" بدلا من كونه استحقاقا تاريخيا.

من الانفتاح إلى التشدد

أستاذ تاريخ الفن في جامعة كاليفورنيا الأمريكية، سيلفستر أوغبيشي، أوضح أن المواقف تجاه إعادة القطع شهدت تحولًا من الانفتاح النسبي إلى التشدد.

وأشار إلى أن ألمانيا اتخذت خطوات أكثر تقدما في هذا المجال، بينما بقيت بريطانيا أكثر تحفظا، لافتا إلى أن مقترحات "إعارة" القطع لعرضها في نيجيريا تُستخدم لتكريس ملكيتها القانونية في الغرب.

وقال أوغبيشي إن من أبرز العقبات أمام عملية الإعادة هي "تعقيد الأطر القانونية، حيث تضطر الدول الإفريقية إلى المطالبة بحقوقها ضمن أنظمة قانونية غربية".

وأكد أن القضية لا تتعلق فقط بإعادة القطع، بل تشمل أيضا الاعتراف بحقوق الملكية الفكرية المرتبطة بها، محذرا من أن إقرار مثل هذه الحقوق قد يترتب عليه التزام الدول المستضيفة للقطع بدفع مقابل مالي لقاء استخدامها.

سجال التعويضات والحقوق

ويرى خبراء أن إعادة القطع وحدها غير كاف، بل يجب أن يرافق ذلك تعويضات عن الخسائر التي تكبدتها الدول الإفريقية خلال الحقبة الاستعمارية.

في المقابل، أوضحت مديرة مجموعة عمل "ريستيتيوشن" ديدريا فارمر بايلمان، أن الأولوية بالنسبة لهم ليست التعويض المالي، بل المشاركة في عملية اتخاذ القرار المتعلقة بهذه القطع.

وشددت على أهمية أن يكون للأفارقة دور في كيفية عرض هذه الأعمال وسرد تاريخها، خصوصا فيما يتعلق بسياق تجارة الرقيق والاستعمار.

دعوات لتعاون دولي

من جهتها، تؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) أن عملية إعادة الممتلكات الثقافية يجب أن تقوم على التعاون الدولي، وليس على خطوات أحادية.

وترى المنظمة أن التنسيق مع كيانات إقليمية مثل الاتحاد الإفريقي يمكن أن يسهم في تسريع إعادة القطع، فيما يشدد خبراء على ضرورة تبني الدول الإفريقية استراتيجية موحدة وأكثر فاعلية.

وتُعد قضية برونزيات بنين نموذجا بارزا لا يقتصر على استعادة أعمال فنية، بل تمتد أبعادها إلى قضايا العدالة التاريخية والهوية الثقافية وإعادة التوازن في العلاقات الدولية.

 

 

 

المصدر : الأناضول.