عام الجاسوس .. الاختراق الأعظم في قلب الـ CIA

صدى الحقيقة : متابعات

لسنوات طويلة ظل هذا الرجل خنجراً مسموماً في خاصرة المخابرات الأمريكية؛ ورغم أن كل الدلائل كانت تشير إليه بوضوح، لم تقع الشكوك حوله إلا بعد فوات الأوان

كان عام 1985 عاماً كارثياً على الأمريكيين، حتى إنهم أطلقوا عليه "عام الجاسوس"؛ نظراً لكثرة الجواسيس والعملاء الذين كشف الجانب السوفيتي نقابهم.

ولم يكن عام 1986 بأفضل حالاً من سابقه، حيث ألقى جهاز الـ (KGB) القبض على أربعة عملاء آخرين تابعين لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA).

وفي أكتوبر من العام نفسه، وصلت الأنباء إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) تفيد بأن اثنين من العملاء الذين تم تجنيدهم داخل السفارة السوفيتية في واشنطن قد قُتلا.

وقبل ذلك بأشهر، كان جهاز الـ (KGB) قد استدرج الرجلين للعودة إلى موسكو؛ بهدف محاكمتهما وإعدامهما.

في مقر الـ (CIA) في "لانغلي"، كان بول ريدموند — رئيس قسم مكافحة التجسس للعمليات في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية آنذاك — غارقاً في جهود الوكالة لفهم ما حدث.

في البداية، ألقى المحققون باللوم على "إدوارد لي هوارد"، وهو ضابط سابق في الوكالة تم فصله عام 1983 بسبب تعاطي المخدرات، والخداع، والسرقة.

وكان أحد المنشقين عن الـ (KGB) قد أشار بأصابع الاتهام إلى "هوارد" في أغسطس 1985 باعتباره جاسوساً للسوفييت، لكن "هوارد" فرّ إلى موسكو قبل أن يتمكن الـ (FBI) من اعتقاله.

ومع ذلك، سرعان ما أدركت وكالة الاستخبارات أن "هوارد" لا يمكنه وحده تفسير جميع العمليات المكشوفة والعملاء المقتولين؛ فالوضع في موسكو كان لا يزال يتدهور بطريقة يصعب وصفها أو تصديقها، وكانت الوكالة تفقد المزيد من العملاء والجواسيس، ومعظمهم لم يكن "هوارد" يعرفهم أصلاً.

وزيادةً في تعقيد الأمور، بدأ جهاز الـ (KGB) بإرسال سيل من المعلومات المضللة والعملاء المزدوجين — من بينهم منشقون مزيفون، وعلماء مزيفون، بل وحتى كاهن مزيف — بهدف تشتيت الـ (CIA).

وهنا علّق رئيس قسم مكافحة التجسس، بول ريدموند، قائلًا بمرارة:
"لا شيء في هذا المجال اللعين هو كما يبدو عليه."

وبينما كان السوفييت يعتقلون العملاء الأمريكيين ويعدمونهم، راودت بعض زملاء ريدموند فكرة مختلفة:

ماذا لو لم يكن هناك جاسوس داخلي أو عميل مزدوج وراء كل هذه الإخفاقات؟

ماذا لو كانت وسائل الاتصال الخاصة بنا هي المخترقة، وهذا ما مكّن الـ (KGB) من إلحاق كل هذا الضرر بهذه السرعة؟

ولاختبار هذه النظرية، أطلق "ميلت بيردن" (نائب رئيس قسم العمليات في الـ CIA) بالتعاون مع بول ريدموند ومجموعة صغيرة من المسؤولين البارزين، عملية سرية ذكية؛ حيث سافر "بيردن" إلى كينيا، في حين توجه ضابط آخر إلى محطة الـ (CIA) في موسكو.

قام الاثنان بإرسال برقيات مزيفة تُفيد بأن الوكالة قد جنّدت ضباطًا جددًا من الـ (KGB) في نيروبي وبانكوك، وانتظروا ليروا إن كانت موسكو ستأكل الطعم.

فإذا قامت موسكو باستدعاء ضباطها في أي من المدينتين، فستعلم الوكالة أن الروس يتنصتون على اتصالاتهم.

لكن الـ (KGB) لم يتخذ أي إجراء ضد أي ضابط في كلتا المدينتين، مما دفع ريدموند وزملاءه للاستنتاج بأن الاتصالات لم تكن مخترقة.

بعد بضعة أشهر، ومع استمرار السوفييت في إحباط عمليات الـ (CIA)، أطلق الـ (KGB) خدعة جديدة أكثر تعقيداً.

فبدءاً من مارس 1986 — بالتزامن مع فترة اعتقال العميل "مايكل سيلرز" — تلقّت الوكالة سلسلة من الرسائل من متطوع مزيف أطلق على نفسه اسم "مستر إكس".

أُرسلت الرسائل إلى ضابط في الـ (CIA)، وكان فحواها تحذيراً من أن جهاز الـ (KGB) قد اخترق الاتصالات المشفّرة للوكالة. غير أن الأمر برمته كان مجرد مناورة سوفيتية ذكية؛ إذ كانت الوكالة تعلم مسبقًا، عبر تجربة البرقيات المزيفة، أن الاتصالات آمنة.

بالنسبة لريدموند وزملائه، كان تعقيد خدعة "مستر إكس" دليلاً على أمر أكبر: السوفييت يحاولون باستماتة حماية شيء ضخم حقاً داخل الـ (CIA).

عندها قال ريدموند جازمًا:
"لدينا جاسوس لعين داخل هذا المكان!"

كانت القيادات داخل المؤسسة الاستخباراتية الأمريكية مرعوبة من سرعة القضاء على شبكة عملائها، لكن قيادة الـ (CIA) كانت مترددة في البداية في الاعتراف بوجود خونة إضافيين في صفوفها؛ إذ إن مطاردات العملاء المزدوجين خلال الستينيات والسبعينيات كانت قد شلّت عمل الوكالة، وألحقت ضررًا جسيمًا بعملياتها وسمعة موظفيها الذين وُضعوا تحت الشبهات لفترات طويلة.

ورغم غياب الحماس داخل الوكالة، أطلق ريدموند مع فريق صغير من الزملاء الموثوقين سلسلة من التحقيقات، شارك الـ (FBI) في بعضها.

استمرت هذه المطاردة لأكثر من ثلاث سنوات، انتقل خلالها ريدموند إلى منصب إداري في قسم الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية.

ولكن، عندما عاد إلى قسم مكافحة التجسس كنائب لمدير المركز الجديد عام 1991، اكتشف أن التحقيقات لم تحرز أي تقدم يُذكر.

دفع ريدموند بكل قوته لإطلاق مطاردة جديدة وضَمَّ إلى فريقه اثنين من محققي الـ (FBI).

ومعاً، بدأوا في إحراز تقدم ملموس، حتى تمكّنوا أخيرًا من تضييق الخناق على جاسوس كان يعيش أمام أعينهم طوال الوقت!

كان الجاسوس هو ضابط الـ (CIA) "ألدرِتش آميس"، الذي كان يتباهى بثروته علنًا؛ حيث كان يقود سيارة من طراز "جاكوار" ويدفع ثمن منزل فاخر نقدًا في "أرلينغتون"، رغم أن راتبه الحكومي لا يسمح له بذلك إطلاقاً.

سلّم الفريق القضية إلى وحدة خاصة في الـ (FBI) بقيادة العميل "ليز وايزر"، والتي نجحت في جمع الأدلة الكافية لإدانته. وتوصل المحققون إلى أن ما لا يقل عن 10 عملاء كانوا يعملون في العمق السوفيتي قد تم تصفيتهم بسبب خيانة "آميس".

وقد وصفه "رودي غيرين"، أحد عملاء الـ (FBI) الذين تولوا التحقيق معه، قائلًا:
"إنه قاتل متسلسل يرتدي بدلة وربطة عنق."

وفي عام 1994، أسدل الستار على القضية وحكم عليه القاضي بالسجن مدى الحياة.

وبهذا اسدل الستار على مطاردة 'الرجل الرابع' في قلب المؤسسة الأمنية الأولى داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ألدريش أميس (Aldrich Ames) الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) الذي تحول ليصبح من أخطر الجواسيس في تاريخ الحرب الباردة، حيث عمل كعميل مزدوج لصالح الاستخبارات السوفيتية (KGB) وروسيا.