التعليم صمودٌ في وجه الأزمات… معلمو لحج نموذجًا
منى أحمد
رغم المعاناة القاسية والظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، يظل استمرار العملية التعليمية إنجازًا...
لا يمكن المرور على مؤتمر الجنوبي – الجنوبي دون التوقف عند الغياب الصارخ للمرأة، او عدم استضافة اي نساء حتى اللحظة، او حتى وجود كشف بأسمائهن – إن فكر البعض بدلا عنهن – في الانتظار والمشاركة الى حين الإعلان الرسمي لانعقاد المؤتمر، وهو امر مهم كي يطمئن اكثر من 50% من سكان الجنوب. إن هذا الغياب لا يبدو عارضا، بل يحمل دلالات اعمق ورسائل مزعجة. فغالبية الحضور حتى الآن من الذكور، وكأن المشهد أُعدّ بعناية ليقول للنساء: قَرْنَ في بيوتكن، فالشأن العام حكر على الرجال، والوطن يدار بنصفه فقط، فيما تُستدعى المرأة عند الحاجة، ويراد لها أن تبقى هامشا يزين المشهد فحسب. حضور باهت لا يصنع قرارا ولا يشارك في تقرير المصير.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: بأي شرع، او اي دين، او اي وطن تمنح المكونات السياسية الجنوبية والاحزاب نفسها حق تغييب المرأة، وهي التي لم تنفك يوما عن دعم القضية الجنوبية؟ وكيف يمكن لهؤلاء الحديث عن مصداقية نضالهم وهم يسمحون لانفسهم باستبعاد النساء وبخس حقهن في المشاركة؟ وبأي ادعاءات ديمقراطية او حداثية يُسوَّق لمؤتمر يفترض أنه وطني جامع، بينما تقصى المرأة عنه وكأنها فائض عن الحاجة او عبء على الطاولة السياسية؟
الامر لا يتعلق بمجرد تمثيل شكلي او مقاعد تستكمل بها الصورة، بل بتاريخ قريب لا يمكن القفز فوقه. فالمرأة الجنوبية، والعدنية على وجه الخصوص، لم تكن يوما على هامش المعركة. حين هاجمت مليشيا الحوثي الانقلابية عدن، كانت المرأة في قلب الحدث؛ دعمت المقاومة، واسندت الجبهات من خلفها، وتحملت اعباء الأسرة وهي تودع ابنها او زوجها او اخاها او اباها الى ساحات الدفاع. بعضهن تحملن فقدانهم شهداء، وبعضهن حملن وجع الانتظار والخوف والصبر، دون أن يتخلين عن دورهن الوطني.
لذلك، ارفض أن اصدق أن صوت المرأة عورة، او أن مشاركتها رجس من عمل الشيطان. وارفض، وبحزم، أن تُستدعى المرأة فقط كزينة للواجهات، او كـ«برفان ديمقراطي» يرش على القوالب المحنطة لمنحها صكوك الحداثة والتحضر. يتحدثون كثيرا عن المرأة، يملؤون الخطب والبيانات بعبارات التمكين السياسي والمساواة، لكن عندما يحصحص الوقت لإثبات ذلك، يتوارون خلف عوراتهم الفكرية، وخلف زيف ادعاءاتهم.
ولست هنا في موقع العتب على الجهة المستضيفة للمؤتمر، وإن كانت بدورها تتحمل مسؤولية هذا الغياب، بل إن اللوم الاكبر يقع على اصحاب القضية الجنوبية انفسهم، اولئك الذين يستغلون المرأة كصوت في المنابر والمنصات والحشد للتظاهر، ويتناسون خروج النساء للدفاع عن مدينة عدن اثناء محاولة مليشيا الحوثي اجتياحها. وهو امر لا يمكن فصله عن تاريخ المرأة الجنوبية المشهود لها، حتى في مقارعتها للاستعمار البريطاني.
ما نراه اليوم قوافل من الرجال ينتسبون الى الجنوب يتقاطرون تباعا، يحضرون بوصفهم ضيوفا بانتظار انعقاد المؤتمر، في وقت كان يفترض أن يكون هذا اللقاء فرصة حقيقية لتقارب الجنوبيين، وتهيئة الأجواء لحوار يسوده الود والأخاء، ويصب في مصلحة نجاحه ولصالح الجنوب وقضيته. غير أن إقصاء نصف المجتمع يفرغ هذا المسار من مضمونه الأخلاقي والوطني، ويجعل من اي حديث عن الشراكة مجرد شعار بلا مضمون.
والمفارقة المؤلمة أن امرأة واحدة، لو حضرت، ربما اختزلت مائة رجل من الحضور بمواقفها الوطنية، وثقافتها، وبعد نظرها وافقها السياسي، وهي التي غالبا ما تدفع الثمن الاكبر في الحروب. فلماذا لم نسمع حتى الآن عن اسماء نساء سيشاركن في المؤتمر؟ وهل سيترك الامر لآخر لحظة، كمفاجأة باهتة، ليقال إن هناك مشاركة نسوية لا تتجاوز نسبتها اقل من الواحد بالمائة مقارنة بالحضور الذكوري؟
إنها نظرة قاصرة ودونية، وانانية مفرطة، تعكس بشاعة الصورة النمطية الراسخة في اذهان بعض المشاركين والنخب واصحاب الدعوة معا. صورة لا تسيء للمرأة وحدها، بل تسيء للجنوب وقضيته، وتفرغ اي حديث عن الشراكة الوطنية من مضمونه الحقيقي.
ومع ذلك، لا يكتمل العتب دون التوقف عند النساء الصامتات، اللواتي يفضلن البقاء في موقع التبعية، منتظرات الدعوة ممن لا يمنح ولا يعطي. فالمشاركة لا تستجدى، والحقوق لا توهب، بل تنتزع بالموقف والكلمة والحضور. فالجنوب الذي نريد بناءه لا يمكن أن يقوم على إقصاء المرأة، ولا على مؤتمرات تدار بعقلية نصف وطن ونصف رؤية.