أوراق في الأدب و الثقافة
عبدالله سعيد الحاوي
1) ملاحظات عابرة للدكتور يحيى سهلأعرف الدكتور يحيى قاسم سهل حقَّ المعرفة؛ فهو من أبناء مدينة (جعار)...
1) ملاحظات عابرة للدكتور يحيى سهل
أعرف الدكتور يحيى قاسم سهل حقَّ المعرفة؛ فهو من أبناء مدينة (جعار) مدينتنا، هو وأنا ترعرعنا في هذه المدينة. شقَّ طريقه في مسيرة الدراسة؛ حيث أكمل دراسته الابتدائية والإعدادية والثانوية، ثم واصل دراسته الجامعية بتفوق، ثم ثابر واجتهد وصبر حتى نال شهادة الماجستير، وواصل مثابرته وجدَّه حتى نال شهادة الدكتوراه بتفوق مع مرتبة الشرف.
وأقول إن كل ما أصدره الدكتور يحيى من كتب يدل دلالة قاطعة على أنه لم يتوقف عند الدكتوراه والتدريس في جامعة عدن – كلية الحقوق – بل قرأ كثيرًا، وبحث كثيرًا، وعانى طويلًا من التعب والسهر والمثابرة الدؤوبة حتى أخرج مجموعة من الكتب، سواء في مجال تخصصه القانوني أو في الموضوعات التي تتعلق بالشأن الثقافي والفني اليمني.
ماذا أقول؟ إن الدكتور يحيى قارئ جاد، وباحث على قدر كبير من الذكاء والرصانة والصدق والأمانة، وما من شك في أنه سيواصل البحث في مواضيع جديدة لم يتطرق لها أحد من قبل.
قلت إنني قرأت جميع إصدارات الدكتور يحيى، ولي ملاحظات عابرة أوجهها له، واثقًا من أنه سيتقبلها برحابة صدر، وتتمثل هذه الملاحظات فيما يأتي:
تحفل كتب الدكتور يحيى بالعديد من الأخطاء النحوية والإملائية.
كثرة الأخطاء المطبعية التي تغيّر معنى المفردة اللغوية؛ إذ إن المفردات الناتجة عن الخطأ الطباعي تأتي على نحو مغاير لسياق الجمل، بل لا يفهم القارئ أحيانًا معنى المفردة التي ترد خطأ في سياق الجملة.
ثمة ملاحظة حول المقدمات التي يكتبها الدكتور لكتبه؛ ذلك أنها في الغالب إما مختصرة أو مقتضبة. أرجو أن يتوسع الدكتور في مقدماته بحيث تهيئ القارئ وتمنحه صورة أو إضاءة قبل أن يلج أجواء الكتب وهو يحمل فكرة عن موضوعاتها.
أرجو أن يتخطى الدكتور يحيى مربع الجمع والإعداد، وألا يظل منحصراً في دائرة ذلك، بل ينبغي أن ينتقل إلى رحاب التأليف، رغم مشقته واحتياجه للوقت الكافي. وأنا على ثقة بأن الدكتور لديه العزيمة والقدرة على تحمل هذه المشقة واجتياز وعورة المسالك؛ فهو بحق ذو إرادة فولاذية وعزم لا يَخور.
تحياتي الصادقة للدكتور يحيى، مع خالص احترامي وتقديري، وسلامٌ ألف سلام من مسقط رأسك: مدينتك جعار.
2) المرأة الظالمة المظلومة
«من رأسها إلى قدميها ارتحلْ
كخاتمٍ ما له مستهلْ
كأعقابِ منهزمٍ وجهُه وقفاهُ كبدءٍ مُقتبلْ
كعوسجةٍ جذرتها الرياحُ
كسادسةٍ فوق كفٍّ أشلّ»
الأبيات الثلاثة هذه من قصيدة للشاعر الكبير الراحل عبدالله البردوني، من ديوانه (زمان بلا نوعية). يقول الدكتور المقالح عنها: هذه الصور المتتابعة المتوالية هي جزئيات في صورة كبيرة لامرأة ظالمة ومظلومة، امرأة من نوع جديد:
«لها قامةُ العصر لكن لها
رؤوسٌ كأخفاف يوم الجمل
ملامحها فوقنا كالصخور
وتحت نعال الأعادِي قِبل»
الأبيات الواردة أعلاه مقتطفة من قصيدة هي أطول قصائد ديوان (زمان بلا نوعية) — كما يشير المقالح — وهي على طولها لا تعدو أن تكون رسمًا تاريخيًا وسياسيًا واجتماعيًا لهذه المرأة الظالمة المظلومة (انتهى كلام المقالح).
والملفت للنظر أن المقالح لم يتوقف طويلًا خلال قراءته للأبيات، بل انتقل سريعًا عن الحديث حول هذه الصورة، ولا ندري سبب ذلك، ورحل المقالح إلى مثواه الأخير حاملًا السبب.
وعمومًا، فإن ديوان (زمان بلا نوعية) حفل بقصائد لفَّها الغموض المستغلق، على غير عادة البردوني الذي تتسم قصائده بالبساطة والوضوح حتى للقارئ العادي.
3) قناة عُمان الثقافية
ما أكثر القنوات الفضائية العربية، وما أقل الفائدة التي يجنيها المشاهدون منها! غير أن ثمة قناة تبث إرسالها من عُمان باسم (عُمان الثقافية) تجذب المشاهد المتتبع للشأن الثقافي بمختلف فروعه وأشكاله، راهنًا وقديمًا.
إنها قناة ناجحة حقًا بما تقدمه من برامج ثقافية وأدبية وتاريخية وفنية. وإني لأحرص أشد الحرص على متابعة ما تقدمه، ولم تفتني حلقة من حلقات برامجها، التي شملت أعلامًا بارزين من الشعراء والكتاب والمؤرخين وغيرهم.
فقد قدمت حلقات عن المتنبي، وأبي العلاء، وصاحب المقامات الحريري، وحافظ إبراهيم، وجميل صدقي الزهاوي، ومعروف الرصافي، وخليل مطران، وكثيرين غيرهم من أقطار البلاد العربية.
وأقول بكل صدق إن ما تقدمه قناة عُمان الثقافية من برامج أدبية وثقافية مفيدة وشيقة لجدير بالمتابعة. وأنصح كل من لم يتابع هذه القناة أن يبدأ منذ الآن، ولسوف يجني المتعة والفائدة الجمة.
تحية من الأعماق لهذه القناة الناجحة بكل المقاييس.
4) يقول الكاتب (هال بويل)
جلستُ يومًا بجوار شاعر يحتضر، وأحسَّ هذا الشاعر بأني حزين من أجله، فنظر إليَّ وقال مبتسمًا: لا تحزن لموتي؛ لقد سبق أن متُّ فعلًا منذ عشرين عامًا. إن ما تراه الآن هو النهاية الطبيعية لكل كائن حي. أما الموت يا بُني فهو موت الرغبة في الاستمرار في الحياة.
وقد حدث هذا عندما وضعوا قلمي في السجن، وحبسوا فكري في غرفة مظلمة ليس فيها بصيص من نور.
ما أبلغ كلمات هذا الشاعر المحتضر، وما أوسع فهمه للموت! فالموت الطبيعي نهاية حتمية لكل كائن حي، لا رادَّ لها ولا اعتراض عليها. أما موت الرغبة في مواصلة الاستمرار في الحياة بعوامل القهر والإجبار، فهو الموت الذي لا يقبله ذوو النفوس العظيمة وحاملو مشاعل الفكر والإبداع والتنوير.
5) تشبيه ابن بطّال
شبَّه الشاعر الأندلسي (ابن بطّال) دواة الحبر بامرأةٍ حامل تلد، فقال:
حاملةٌ لم تضعْ على ألمٍ
ترضعُ أبناءها فما لفمِ
تحمل سرَّ الجليس وتفشيه
بنوها صمتًا بلا كلمِ
قارئي الكريم، هل ترى الشاعر قد وُفِّق في هذا التشبيه، أم أن الأمر لا يعدو كونه ضربًا من خيالات الشعراء؟
كلمات لها وقع ومعنى
الحياة بغير تمرد كالفصول بغير ربيع، والتمرد بغير حق كالربيع في الصحراء القاحلة الجرداء. الحياة والتمرد والحق ثلاثة أقانيم في ذات واحدة.
الحياة بغير الحرية كجسم بغير روح، والحرية بغير الفكر كالروح المشوشة. الحياة والحرية والفكر ثلاثة أقانيم في ذات واحدة أزلية لا تزول ولا تضمحل.
ما أمرَّ مواعظ السعداء في قلوب التعساء، وما أقسى القوي إذا وقف خطيبًا بين الضعفاء.
(جبران خليل جبران)
لا أريد أن أكون ضمن هؤلاء الذين تنحني هاماتهم أمام الحكام في قصورهم، وترتفع هاماتهم أمام الحكام في قبورهم.
(محمد حسنين هيكل)
أقسم أن دواء البشرية من الآلام هو الاستمتاع بالحياة ونسيان الماضي بكل ما فيه. إن متع الحياة الجميلة كفيلة بأن تبرئ الجروح، وتشفي الأرواح، وتجبر كسور النفس الحائرة. فلماذا نضيع حياتنا في البكاء على ما ضاع منها في الماضي؟ لماذا نفقد كل شيء في الحاضر بعد أن فقدنا كل شيء في الماضي؟
(من رواية: آلام فرتر – غوته)
أبيات مختارة
كلامُ الليلِ مختومٌ بشمعٍ
يذوبُ الشمعُ في وضحِ النهارِ
فمالي وللدنيا طلابي نجومُها
ومسعايَ منها في شدوقِ الأراقمِ
بذا قضتِ الأيامُ ما بين أهلِها
مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ
(المتنبي)