تلاقي الأدب و الصورة في المهرجان الدولي للسينما الإفريقية ندوة ببني ملال
تستعد مدينة بني ملال لاحتضان ندوة دولية رفيعة المستوى حول الكتابات الإفريقية والسرديات السمعية البصر...
رحيل مؤجل
في كل صبحٍ
من ذرى سبتٍ أليم
يستميحُ الموتَ عذراً
كائنُ الدنيا
ويهذي ناهضاً حرّاً عتيداً
من عناءِ الموتِ
مُكتنزاً بلا شيءٍ سيأتي أو سيأتي
مثلما تقضي تقاليدُ العزاءِ
وعلى السليقةِ يرتدي أوداجَه
برماً يرتّبُ صبحَه
يرفو مهيضاً ياقةً شدّت
ثمالةَ وجهِه المبعوجِ
يبزقُ من شفاهِ الكبتِ
قافلةً من الخيباتِ
يمضغُها بصبرٍ باهظٍ مُرٍ
وممنوعٍ من العرضِ المهيبِ
يفتحُ بابَ الساعةِ الكبرى
ويخرجُ قلبَه المندسَّ
محتشداً بخيطِ الحلمِ
يدعكُه يلمّعُه ويطلقُه
-وهل أموتُ هنا؟ يسائلُها-
وينفضُ ما تبقى من غبارِ الأمسِ
ثم يطيرُ منتشياً
إلى كتفِ العراءِ.
*بسام الحروري*
ليست القصائد الكبرى تلك التي تُكثِر القول، بل تلك التي تُعيد تشكيل قدرة اللغة على القول نفسه؛ إذ تجعلها تنطق بما يتجاوز حدودها المباشرة، وتدفعها إلى تخوم التجربة الإنسانية حيث يتجاور المعنى مع الانزياح.
ومن هذا الأفق يمكن قراءة قصيدة «رحيل مؤجل» لبسام الحروري بوصفها نصًا لا يُعنى بتسجيل حالة شعورية أو تمثيل تجربة فردية، بل بإعادة مساءلة سؤال وجودي جوهري: كيف يمكن للحياة أن تستمر وهي محاطة بإمكان الفناء من كل جهة؟ غير أن هذا السؤال لا يُطرح داخل أفق فلسفي تجريدي أو خطاب رثائي مباشر، بل داخل أفق شعري يُنتج دلالته عبر الانزياح، ويعيد صياغة السؤال بدل تقديم الجواب.
ومنذ العتبة الأولى، لا يقف القارئ أمام تركيب لغوي بسيط، بل أمام بنية دلالية مركّبة. فـ«الرحيل» في دلالته المعجمية فعل اكتمال وانقطاع، في حين أن «التأجيل» فعل إرجاء وتعطيل. غير أن اقترانهما لا ينتج تناقضًا يُلغي أحد الطرفين، بل علاقة توتر تُبقي كل طرف مشروطًا بالآخر. فالموت لا يُلغى، لكنه يُؤجَّل، والحياة لا تُمنح كحضور مكتمل، بل كمهلة زمنية قابلة للانقضاء. وبهذا المعنى لا يعود العنوان مجرد مدخل للنص، بل يتحول إلى مفتاح تأويلي يُنتج أفق القراءة كله، إذ يغدو النص كتابةً في زمنٍ غير مكتمل، يمكن وصفه بأنه زمن البقاء المؤقت.
ومن اللافت أن بناء الزمن في القصيدة لا يقوم على الخطية أو التعاقب، بل على التكرار الذي يُحوِّل اللحظة إلى قانون. فعبارة «في كل صبح» لا تُحيل إلى صباح محدد، بل إلى بنية زمنية تتكرر دون انقطاع، إذ يفقد الصباح خصوصيته الحدثية ليغدو نظامًا وجوديًا يعيد إنتاج نفسه. وضمن هذا الإطار يتشكل الزمن بوصفه دائرة لا تتقدم نحو غاية نهائية، بل تعيد إنتاج بداياتها باستمرار. فالصباح لا يمحو الأمس، بل يستبقي أثره في صورة «الغبار»، والمستقبل لا يُقدَّم بوصفه أفقًا للخلاص، بل بوصفه احتمالًا معلّقًا في صيغة لافتة: «بلا شيء سيأتي أو سيأتي». وهنا لا يُنتج التكرار يقينًا، بل يُضاعف التردد الوجودي، فيغدو المستقبل نفسه مؤجلًا، شأنه شأن الرحيل.
ضمن هذا الأفق الزمني المتوتر، تنكشف إحدى المفارقات المركزية في النص: فالتأجيل لا يطال الموت وحده، بل يمتد إلى الحياة نفسها. فالذات لا تعيش حياة مكتملة، بل تعيش حياة تُستعاد كل صباح بوصفها مشروعًا غير مكتمل، ثم تُستنزف تدريجيًا حتى المساء، لتبدأ الدورة من جديد. ومن ثمّ لا يعود الصباح لحظة انبعاث خالص، بل لحظة استئناف لموت جزئي يتكرر بصيغ مختلفة، وهو ما يمكن مقاربته ضمن مفهوم «الموت الأصغر» بوصفه خلفية ثقافية تتيح فهم العلاقة بين النوم واليقظة، دون الادعاء بأن النص يحيل إليه مباشرة، بل بوصفه أفقًا تأويليًا يُغني القراءة.
في هذا السياق، يكتسب الافتتاح الشعري «يستميح الموت عذرًا» دلالته بوصفه انزياحًا يعيد توزيع العلاقات داخل النظام الوجودي. فالموت لا يظهر هنا كحدث نهائي يقع في نهاية المسار، بل كسلطة حاضرة منذ البداية، لا تُلغى بل تُدار عبر التفاوض المؤقت. وبذلك تصبح الحياة ليست نقيضًا للموت، بل مهلة يمنحها الموت ذاته، فيتحول الاستمرار إلى شكل من أشكال الإرجاء المستمر لا إلى انتصار نهائي على الفناء.
غير أن ما يميز القصيدة ليس بناءها التأملي فحسب، بل تحويلها هذا البناء إلى حركة فعلية متتابعة تُعيد تشكيل الذات في الزمن. فالنص يقوم أساسًا على منظومة من الأفعال لا على ثبات الأسماء، بما يجعل المعنى وليد الحركة لا الوصف. ويمكن ملاحظة تدرج هذه الأفعال على نحو يكشف عن بنية داخلية منظمة: تبدأ الذات بالفعل الاستئذاني «يستميح»، بما يحمله من هشاشة أولية، ثم تنتقل إلى أفعال الترميم «يرتدي، يرتب، يرفو»، قبل أن تدخل منطقة تفريغ الألم «يبزق، يمضغ»، ثم تبلغ مستوى إعادة البناء والتوجيه «يفتح، يخرج، يدعك، يلمع، يطلق»، لتنتهي إلى فعل الانفصال الحركي الأعلى «يطير».
هذا التدرج لا يُقرأ بوصفه تسلسلًا وصفيًا، بل بوصفه بنية حجاجية داخل النص نفسه، تُقترح من خلالها فكرة مركزية مفادها أن الكائن لا يُقاس بما يتعرض له من سقوط، بل بقدرته على إعادة تشكيل ذاته داخل هذا السقوط. وهنا تتحول المقاومة من خطاب إلى ممارسة، ومن إعلان إلى بنية فعلية تتجسد في الحركة اليومية للذات.
ويتعمق هذا التحول حين ينتقل النص إلى الجسد بوصفه فضاءً مركزيًا لإعادة التشكيل. فالجسد لا يظهر كمعطى بيولوجي ثابت، بل كنسيج قابل للترميم والتفكيك وإعادة التركيب. إذ تُرتدى الأوداج، ويُرمَّم الوجه، ويُستخرج القلب من موضعه ثم يُعاد تنظيفه وإطلاقه. وبهذا المعنى يصبح الجسد نصًا موازيًا يُكتب عليه الزمن أثره، ويُعاد كتابته كل صباح عبر طقوس رمزية تُشبه فعل الإصلاح المستمر. ومن المهم هنا التنبيه إلى أن هذا التوظيف الجسدي لا يُحيل إلى وصف فيزيولوجي، بل إلى إعادة تعريف للوجود بوصفه حالة قابلة للإصلاح الدائم.
ومن داخل هذا البناء الجسدي تتبلور الصورة الأكثر كثافة في النص: «يبزق من شفاه الكبت قافلةً من الخيبات، يمضغها». فهذه الصورة لا تقدم الخيبة بوصفها أثرًا نفسيًا عابرًا، بل بوصفها مادة داخلية تتحول إلى جزء من اقتصاد البقاء. فالخيبة لا تُطرح خارج الذات، بل تُستبطن وتُعاد معالجتها حتى تغدو جزءًا من آلية الاستمرار. وهنا لا يتأسس المعنى على تجاوز الألم، بل على إعادة تدويره داخل بنية الحياة اليومية.
وتبلغ هذه العملية ذروتها الرمزية في مشهد القلب، حين يظهر بوصفه كيانًا «مندسًا»، أي أنه تعلّم الاختباء تحت ضغط التجربة، لكنه يُستعاد ويُعاد تشكيله عبر سلسلة من الأفعال: يُدعك، يُلمع، ثم يُطلق. وهذه السلسلة لا تُفهم بوصفها حركة عضوية، بل بوصفها طقسًا رمزيًا لإعادة تأهيل القدرة على الإحساس. فالقلب لا يُطهَّر من خطأ، بل يُعاد ضبطه ليستعيد إمكان الحلم، وهو ما يتجسد في وصفه بأنه «محتشد بخيط الحلم»، إذ يتحول الحلم من مشروع كلي إلى خيط دقيق يمنع الانهيار دون أن يدّعي الخلاص.
وعند هذا الحد، لا تنتهي الحركة إلى فضاء مكتمل أو أفق خلاص نهائي، بل إلى صورة مكثفة: «كتف العراء». وهذه العبارة لا تُقرأ بوصفها توصيفًا مكانيًا، بل بوصفها إعادة تركيب للعلاقة بين الجسد والعالم. فالكتف، بوصفه موضع حمل واتكاء، يقترن بالعراء الذي لا سند له، لينتج صورة وجودية مفادها أن الكائن لا يجد استنادًا خارج هشاشته، بل يُدفع إلى الإقامة داخلها. ومن ثمّ لا تعود الحركة الشعرية حركة نحو الأمان، بل حركة نحو الاعتراف بالهشاشة بوصفها شرطًا للبقاء.
إن هذه البنية الكلية تكشف أن القصيدة لا تنتظمها ثنائية الحياة والموت بوصفهما حدين متقابلين، ولا ثنائية الهزيمة والمقاومة بوصفهما حالتين متعاقبتين، بل تنتظمها ثنائية أعمق يمكن تحديدها في: التوقف والاستمرار. فالمسألة ليست في إمكانية تجاوز الفناء، بل في القدرة على إبقاء الحركة قائمة رغم حضوره. ولهذا تتقدم الأفعال على النتائج، وتُمنح الحركة أولوية على الغاية، فيغدو المعنى مرتبطًا بالفعل نفسه لا بما يحققه.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن ما ينجزه بسام الحروري في هذا النص ليس تمثيلًا للهزيمة أو إعلانًا للمقاومة، بل بناءٌ لشكل من الوعي الشعري يمكن وصفه بأنه وعي الاستمرار؛ وعيٌ يُدرك أن القيمة لا تكمن في الوصول إلى نهاية، بل في القدرة على إعادة بدء الحياة كل صباح، داخل عالم لا يكف عن إنتاج انكساراته الخاصة. وهكذا يتحول النص من خطاب عن التجربة إلى إعادة تشكيل لطريقة عيشها، ومن تمثيل للوجود إلى مساءلة لبنيته الزمنية والفعلية في آن واحد.